عذرًا.. لن ترى الثورة حقًا في صورة فوتوغرافية

وائل جمال

الشروق

4 ديسمبر 2011

«تبدو الأمور أحيانا وكأن الثورة قد وصلت طريقا ضيقا ويصبح مستحيلا لأى كان أن يعتمد عليها بأى درجة كانت من اليقين. إن الإضراب العام يندفع حينا كالموجة العارمة على امتداد البلد كلها. حينا يتفرع إلى شبكة كبيرة جدا من الروافد الصغيرة، حينا ينبثق من باطن الأرض كالنبع، وحينا يختفى فى جوف الأرض. إضرابات سياسية واقتصادية، إضرابات جماهيرية وإضرابات جزئية، إضرابات تظاهرية وإضرابات صدامية، إضرابات عامة فى فروع فردية من الصناعة وإضرابات عامة فى مدن معينة، نضالات سلمية من أجل الأجور ومذابح شوارع، قتال متاريس، كل هذه يسير الواحدة منها عبر الآخر، الواحد منها جنب الآخر، يقطع الواحد منها الآخر، يسير الواحد منها فى الآخر وفوق الآخر. إنه خضم من الظواهر يتغير ويتحرك بلا انقطاع».

ليس هناك أدق ولا أوضح من تلك الكلمات التى خطتها إحدى قيادات الثورة الألمانية بين 1918 و1923 لوصف تلك الديناميكية وذلك التغير المستمر اللذين تتسم بهما الثورات الجماهيرية وتضفيهما على حياة المجتمعات. هذه وضعية، من لا يستطيع إدراكها وفهم تطوراتها فينزع إلى التركيز على لحظة ساكنة فى تطورات هذا المشهد المتغير ويجمدها فى صورة فوتوغرافية يحاول فيها تجميد ماهو غير جامد، فيفشل تمام الفشل فى تقدير الموقف وإمكانات تطوره.

هذه الرؤية القاصرة هى وحدها تمكننا من تفسير ذلك الانتقال السريع العنيف لبعض القوى الثورية بين الانتصارية الاحتفالية مع مظاهرة واحدة ناجحة فى التحرير فيخيل إليهم وإليك أن الثورة انتصرت أو أنها على وشك خلق مجتمع الجنة الفاضلة غدا، وبين انهزامية كاملة إذا بدا أن نظام المصالح القديمة قد كسب هذه المعركة أو تلك، أو حتى خالفت مسارات الحركة ما يتخيله النشطاء أو السياسيون. ففجأة تكون الثورة قد انهزمت بلا رجعة، وتبدأ حفلات «الولولة» على تويتر وغيره.

لذلك أيضا فإن من استكانوا بحكم المصالح أو بحكم الثقافة، إلى وضع مصر على مدى ثلاثين عاما كانت فيه ذلك الكائن الساكن الذى لا يحدث فيه شيء سوى مزيد من التدهور البطيء الثابت، دربنا النظام على قبوله والتآلف معه مسميا إياه الاستقرار، لن يشعروا بالرضاء أبدا ولن يجدوا أنفسهم مرة أخرى فى عالم ما بعد الثورة. فقد دخلنا عالم الحركة والتغير والمشاركة المباشرة لقوة الشعب فى تحديد مصيره، عالم المجتمعات الحية. هؤلاء من بينهم من يعلم أن هذا العالم الجديد يعنى أنه فقد أولوية مصالحه على مصالح الأغلبية، لكن من بينهم أيضا كمثل من يخاف من حوادث السيارات فلم يركب سيارة طوال حياته. (انظر إلى بعض شرائح الطبقة الوسطى المصرية الراغبة فى انتهاء كل ما يحدث فورا لتعود سريعا إلى أكوام القمامة واختناقات المرور ووظائف الواسطة والبحث العصى عن شقة لزواج الابن.. ألخ).

 الانتخابات توحد بين ثوريين ورجعيين

الانتخابات الجارية الآن مثال على نوعية الاستنتاجات التى يمكن أن تأخذنا إليها هذه الرؤية الساكنة للعملية الثورية. فمن يتخيل ان البرلمان غاية المنى أو أن القوانين والدساتير تنهى المعارك بالضربة القاضية، يرى فى الصورة الفوتوغرافية التى لا تستوعب سوى لحظة واحدة، برلمانا يسيطر عليه غالبية من الإسلاميين، فيعتقد أن مصر الثورة صارت إمارة إسلامية.

ينسى هؤلاء أن الانتخابات جزء من عملية، وأن الشرعية القانونية هى نتاج المعركة على الأرض لا العكس. يخوفنا هؤلاء من أن الإسلاميين سوف يلغون العملية الانتخابية ذاتها وسوف يسطرون دستورا على هواهم ولا يمثل غيرهم. لا يرى أصحاب هذه الرؤية القوة التى جلبت الانتخابات من الأصل وخلقت شرعيتها، ويتعاملون مع البرلمان وكأنه برلمان مبارك، هو بداية ونهاية العملية السياسية بلا منازع. وكأن هذا الشعب الذى أطاح بالديكتاتورية وأضرب دفاعا عن عيشه بمئات الآلاف ثم ذهب بالملايين فى جولة الانتخابات الأولى سوف يختفى بعد ذلك من الصورة إلى الأبد.

هذه النتيجة الأخيرة هى بالضبط ما تسعى إليه قوى أخرى، تثبت لحظة البرلمان فى صورتها الفوتوغرافية الخاصة. هذه القوى، وعلى رأسها المجلس العسكرى، تحاول اختصار ماحدث كله فى هذا البرلمان. وعبر التضييق على صلاحياته أو عقد مساومة مع من يسيطرون عليه يمكن الإبقاء على جوهر النظام القديم.

ولا يفلت بعض الثوريين المعتصمين فى التحرير من قصور هذه الرؤية إذ يرفضون خوض معركة الانتخابات لأنها خطوة للوراء أو «تجيء على دماء الشهداء» إلى آخره. يثبّت هؤلاء صورة التحرير الفوتوغرافية فلا يرون أن معارك الثورة  لا تحددها ولا تجود بها قريحة منظر أو غريزة مناضل  وانما هى النتاج المنطقى لمعركة المصالح المتواصلة فى بلادنا، وأنها تتحدد أساسا عبر توجهات القوة الأساسية التى صنعت كل شيء: قوة الشعب بعماله وفلاحيه وموظفيه وطلبته، ليس فى التحرير فقط وإنما فى دلتا مصر وصعيدها وسيناها، ومعركتها فى مواجهة من يعادون تطلعاتها.

 القوة المحركة التى ننساها

فقط إذا نظرنا إلى الثورة كعملية، وكعملية مركبة تستغرق وقتا، يمكننا أن نرى إمكانات المستقبل ونعمل على دعمها ودفعها. إن مسار حركة الناس متعرج للغاية. ولا يُسقط المضطهدون الباحثون عن الحرية خيارا دون اختباره. لذلك ينتقل عمال المصنع من النضال على ساعات العمل وقيمة بدل الوجبة إلى النضال السياسى والعكس، وفى الرحلة يكتسبون وعيهم السياسى بمصالحهم وقدراتهم.

وأهم ما فى الانتخابات البرلمانية هو الملايين الذين شاركوا فيها ودوافعهم وآمالهم من هذه المشاركة. المصريون ذهبوا لأنهم رأوا فيها طريقة لإرساء مصالحهم فى مجتمع جديد. لكنهم وهم يفعلون ذلك لم يسلموا أسلحتهم الأخرى للدفاع عن هذه المصالح: الميادين والإضراب. وبقدر ما يستجيب البرلمان القادم لمصالحهم وبقدر ما يسمح توازن القوى على الأرض بالضغط على هذه المؤسسة فى هذا الاتجاه، ستتحدد المعركة المقبلة القادمة لا محالة فى ظل أن البرلمانية نفسها فى أزمة هائلة فى العالم. وكيف ألا يحدث ذلك والثورة المصرية تلهم جماهير الديمقراطيات العتيدة فى أوروبا والولايات المتحدة، التى كشفت انحياز مؤسساتها المنتخبة ضدها وضد مصالحها؟

أما الخطيئة الأعظم التى تقودنا إليها الرؤى التى لا ترى هذا التعقيد والتشابك، عن مصلحة أو فقط عن قصور رؤية، فهى احتقار معارك الشعب. سواء كان ذلك لأنه يتظاهر ويضرب دفاعا عن حقه المشروع فى العيش كما رأينا فى دعاية المجلس العسكرى وإعلامه الذى يصور الإضرابات على أنه فعل أنانى أحمق، أم لأنه قرر أن ينتخب وألا يذهب للتحرير فى إحدى المليونيات، أم لأنه اختار قوة دون أخرى فى الانتخابات. من يقع فى هذه الخطيئة لن يفهم أبدا حياة الشهيد عادل إمام ولن يقف بجوار من هم مثله حين تحين لحظة الحسم. عادل شاب يعمل فنى لحام باليومية ربما لم يكن له اهتمام بالسياسة فى حياته قبل الثورة. وربما كان همه هو وظيفة وأجر معقول وفرصة لبناء بيت وأسرة. من يعلم كيف تغير عادل وما الذى دفعه ليربط أحلامه تلك بما يحدث فى محمد محمود ليذهب إلى هناك لحماية اعتصام مصابى الثورة، فينضم إلى ركب الشهداء الشريف. فيجد من حملوا جسده الطاهر فى جيبه إيصالا بقطن وشاش اشتراهم للميدان من أجره القليل. إن الطريقة الوحيدة لكى تتقدم الثورة نحو مطالبها فى الحرية والعدالة الاجتماعية هى الاستناد على القوة صاحبة المصلحة فى ذلك، ودعمها فى معاركها  أيا كانت وأينما كانت،  فهذه المعارك – على تفرعها وتبدلها المتواصل وتنوعها بين كر وفر –  طريقها وطريقنا الوحيد للانتصار.

●●●

فى قصيدته أنغام سبتمبرية، يحاول الشاعر الكبير صلاح جاهين  أن يثبت شريط الذكريات بعد «انتهاء معمعة المواجهة» لاستخلاص العبر:

عايز أشوف من تانى واتذكر ليه ضربة من ضرباتى صابت؟

وضربة من ضرباتى خابت؟

وضربة وقفت بالشريط فى وضع ثابت؟

قال المكنجى: رجوع مفيش عيش طول ما فيك أنفاس تعيش وبص شوف.. ركن الشباب فيه ألف مليون شب

●●●

يا سادة.. لقد قام الشعب.. حقا قام

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s