آليات تطوير الأداء المهني للصحافة المكتوبة.. بين دور المؤسسات والنقابة

وائل جمال

16 نوفمبر 2011

منتدى البدائل العربي للدراسات

مقدمة:

في العقود الأخيرة، صارت صناعة الصحافة المطبوعة في العالم، والإعلام عموما، تجارية وموجهة للسوق أكثر من أي وقت مضى. وأدت الزيادة في المنافسة إلى تراجع في المعايير المهنية والجور على دور الصحافة في خدمة المصلحة العامة. وفي الوقت الذي تجذر فيه تأثير الربحية، أصبحت الصحافة تابعة بدرجة غير مسبوقة لمؤشراتها ومن ثم للإعلانات مدفوعة الأجر. هكذا دخلت شركات العلاقات العامة ووكالات الإعلان الكبرى إلى جانب الحكومات كعناصر ضغط أساسية على الصحافة، بل صار اللاعبون السياسيون ومن يمتلكون مصلحة في النقاش العام يمتلكون مؤسساتهم الإعلامية وتصاغ السياسات التحريرية لخدمة مصالحهم. تحت كل هذه الضغوط، أصبحت المؤسسات الصحفية أكبر وأكثر قوة، وصارت اليد العليا للكتابة التي يسودها الانفعال والعاطفية وتسطيح الأخبار، وهي ظاهرة يرصدها المشتغلون بالصحافة والرأي العام على حد سواء.

مصر ليست استثناء من ذلك كله. وعلى مدى السنوات الماضية ظهرت الصحف الخاصة كقوة جديدة بعد أن أنهكت تبعية الصحف للدولة مهنيتها وشعبيتها. لكن وبالرغم من أن الصحف الخاصة خلقت صوتا جديدا ومساحة لقارئ سأم من الجرائد الموجهة، إلا أنها لم تفلت من تأثيرات قيامها على الربحية ومن تبعات الاحتكارات في أسواق الطباعة والتوزيع والإعلانات. وظلت المهنية الصحافية متأخرة مقارنة بوضعية الصحافة العالمية المتراجعة.

ومع ثورة 25 يناير، وكسر الكعب الحديدي لديكتاتورية مبارك، بدأت مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي، من المفترض أن للصحافة فيها دورا محوريا. ومع انفتاح النقاش العام على مصراعيه في كل القضايا، فإن قضية تطوير الأداء المهني وتحييد المصالح المرتبطة بالملكية باتت جزءً لا يتجزأ من عملية التحول هذه ومن مسيرة بناء المجتمع السياسي الجديد.

وفي كل معركة سياسية أو خلاف اجتماعي كبير في البلاد توجه الاتهامات للصحافة المطبوعة وأحيانا ما يتم تحميلها مسئولية بعض التطورات غير المطلوبة. غير أنه من المؤكد أن أي اقتراب يتعرض لموضوع مهنية الصحافة المطبوعة على أنها شرط لحريتها هو اقتراب خاطئ وربما سلطوي. الصحافة الحرة فقط هي التي يمكنها أن تكون مسئولة اجتماعيا، وحرية الصحافة قانونيا وسياسيا هي المدخل لتطورها المهني، الذي بدوره يتحول لإحدى ضمانات المساواة والحرية والتمثيل العادل لقوى المجتمع في المجال الإعلامي.

­استراتيجيات أساسيةلتطوير الأداء المهني

  1. التنظيم القانوني:

الضوابط القانونية للصحافة غاية في الأهمية، وعادة ما تحتل مرتبة بارزة في تنظيم المهنة وفي الرقابة على مهنيتها. ففي المجتمعات التي تشق طريقها للديمقراطية كمصر الآن، فإن الضمانات الدستورية والقانونية لحرية الصحافة وضمان استقلاليتها، وهو شرط لمهنيتها ودورها في خدمة المصلحة العامة، أمر لا غنى عنه. فعلى الدستور أن يجرم الرقابة ويحمي حرية التعبير، وعلى القوانين أن تؤمن الوصول السهل الحر للمعلومات الحكومية، وتحمي الصحفيين من إجبارهم على الكشف عن مصادرهم. كما ينبغي أن تضمن أيضا الإدارة الشفافة والعادلة لصناعة الصحافة وعلى رأسها التسجيل والتراخيص والإفصاح عن الملكية والضرائب.

وحتى في ظل الديمقراطية، فإن الاستثناءات، التي قد لا يمكن تفاديها، من حريات التعبير يجب أن ينص عليها صراحة في القانون. غير أنه للحفاظ على أعمق وأشجع نقاش لشئون الناس العامة، فإن التجريم يجب أن يكون في أضيق الحدود ويقتصر على حالات محددة منها ما يهدد سلامة الأفراد مثلا.

غير أن للتنظيم القانوني عيوبه. فحتى التشريعات القانونية التي يمررها برلمان منتخب أو حكومة تحوز الأغلبية يمكن أن يؤذي الحريات ومن ثم يعوق المهنية. فالقانون قد يميز ضد الوحدات غير المملوكة للدولة خاصة في مجالات الترخيص والطباعة والتوزيع. كما أن الموقف من التنافسية في أسواق الإعلان مثلا له دور هام. كما أن القانون كمدخل لضبط المهنية الصحفية قد يكون مدخلا مواربا لتجريم الرأي ومحاصرة المعارضين. كما يمكن المدخل القانوني الحكومة أحيانا من استخدام سياسات انتقائية فيما يتعلق بحماية الحقوق الشخصية المتعلقة بقضايا السب والقذف مثلا.

يزيد على ذلك أن التنظيم القانوني، بالإضافة لإمكانية استخدامه لتضييق حرية الصحافة التي هي شرط ضروري لمهنيتها، غير قادر على تطوير أداء الصحافة واحترافيتها. فأي محاولة لفرض معايير تحريرية على الصحفيين بحكم القانون ستؤدي بالضرورة لحد تحكمي من الحريات وتقييد لسريان المعلومات، ومن ثم تقييد المهنية والدور الاجتماعي للصحافة المكتوبة.

  1. 2.     التنظيم الذاتي

التنظيم الذاتي للصحافة والاعلام هو مفهوم واستراتيجية بدأت تشق طريقها كمنهج لتطوير الأداء المهني للصحافة ومحاولة محاصرة انحيازها الاجتماعي المتزايد عالميا. هذه الاستراتيجية هي مسعى مشترك من قبل العاملين بالصحافة لإعداد معايير تحريرية تطوعية والالتزام بها من خلال عملية تواصلية مع الجمهور. وعبر القبول بها فإن الإعلام المستقل يقبل نصيبه من المسئولية عن جودة ونوعية المجال العام للأمة بينما يحتفظ بشكل كامل بحركيته الذاتية وهو يشكل رأي الجموع.

والتنظيم الذاتي، وهو استراتيجية بدأت تتوسع عالميا بسبب الفشل القانوني الذي ينظم الصحافة من أعلى لأسفل، ليس رقابة ولا حتى ذاتية. فهو يتعلق بإرساء مبادئ الحد الأدنى المتعلقة بالأخلاقيات والدقة والحريات الشخصية..الخ، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الحرية التحريرية فيما يمكن تغطيته وكيف يمكن تغطيته.

ترتبط هذه الاستراتيجية أيضا إلى جانب التزام الصحف طوعا بمعايير معلنة تتضمن ميثاق شرف مهني ودليلا للسياسة التحريرية بتأسيس علاقة مع القراء لمناقشة تعليقاتهم والتعامل مع شكاواهم مما ينشر بطريقة شفافة وعلنية. وهكذا ترتبط هذه الاستراتيجية بإنشاء نظام داخل كل صحيفة أو لكل الصحف عموما يختص بتلقي الشكاوى والرد عليها وتصحيح الأخطاء ورد المظالم.

عبر هذا يتميز هذا النظام، الذي يقوم من أسفل لأعلى، بقدرته على تطوير مصداقية الصحف مع عدم المساس بالحريات، مما يجعله أكثر ملائمة للديمقراطيات حديثة العهد أو المجتمعات المتحولة للديمقراطية. يجعل هذا النظام الحساب والرقابة على الصحفيين متعلقا بالأخطاء الاحترافية بالأساس وليس بتوجهات القائمين على الحكم. وكلما ارتفعت مصداقية نظم تلقي الشكاوي، ونسبة الرضاء عن قراراتها بين الجمهور، كلما قل اللجوء للقضاء والمحاكم وخلص الصحف من أعباء التقاضي المالية والمعنوية أيضا.في هذا الإطار فإن أولى آليات التنظيم الذاتي هي مواثيق الشرف الصحفية، التي  تحدد مواثيق الشرف بشكل علني وظائف وحقوق وواجبات الصحفيين ومن ثم توفر لهم مبادئ توجيهية لكيفية ممارسة مهنتهم بأفضل طريقة ممكنة. والهدف الرئيسي لهذه المواثيق واحد برغم تنوع أسمائها: حماية استقلالية المهنة وخدمة الصالح العام.

ولأنه من الطبيعي أن يسعى المستهلكون للصحف لضمانات تتعلق بقيمة المعلومات التي يقدمها الصحفيون، فإن التنظيم الذاتي وهو يوفر بوصلة للمعايير الصحفية عبر مواثيق الشرف المعلنة بشكل تطوعي، فإن نظم تلقي الشكاوى تعمل كنظام لمراقبة الجودة ذي طابع ديمقراطي وشعبي. ولأن الشكاوى عبر هذا النظام ذات تكلفة زهيدة مقارنة بتكلفة التقاضي فهي تسهل على المواطنين العاديين والفقراء الانخراط في عملية الرقابة هذه.

اللاعبون الأساسيون وأدوارهم

–         الصحف:في مقدمة اللاعبين الأساسيين تأتي الصحف، التي تسعى لدعم مصداقيتها وتقليص أعباء التقاضي وتكاليف الأخطاء المهنية، بالإضافة إلى توسيع توزيعها عبر خلق الصلات المباشرة مع القراء ودعم صورتها لديهم. وفي هذا الإطار يمكن للصحف أن تؤسس أنظمة التسيير الذاتي داخلها أو على مستوى الصناعة بمبادرة طوعية من الصحف.

–         المؤسسات السياسية والمجتمع المدني:  خارج الإعلام المؤسسات السياسية كالأحزاب، والشخصيات العامة، هي المصدر الأساسي للشكاوي بفعل أن تغطية أنشطتهم ومواقفهم هي وظيفة لاغنى عنها للصحافة الجادة. ويمكن للمجتمع المدني أن يصبح شريكا على نفس القدر من الأهمية يضم اتحادات أصحاب الأعمال والنقابات العمالية والمنظمات الأهلية والجمعيات الدينية  بالإضافة بالطبع إلى المواطنين الأفراد.

–         نقابة الصحفيين: في الحقيقة فإن دور النقابة ملتبس للغاية في التجربة المصرية بين وظيفتها الأصلية كممثل لمصالح الصحفيين في مواجهة الدولة وأصحاب العمل وبين كونها جهة ترخيص بمزاولة المهنة. لكن وبينما هناك ضرورة لفض هذا الاشتباك غير الصحي، وأول خطواته هو السماح القانوني بحرية تأسيس النقابات بعد ثورة يناير، يظل للنقابة وهي تعود لوظيفتها الأصلية دور هام في دفع المعايير المهنية كوسيلة لتطوير المهنة عموما ومن ثم تحسين أحوال الصحفيين. فرقع الأداء المهني يعلي من دور الصحافة عموما ويحمي  المهنة مما ينعكس على ممارسيها في نهاية الأمر. النقابة في هذا الإطار قد تلعب دورا في خلق توافق بين الصحف والصحفيين على ميثاق مقبول للشرف الصحفي، كما يمكن أن تمارس ضغطا على الصحف للانضمام إلى المنظومة الطوعية للتسيير الذاتي. بالإضافة لذلك، وكما حدث في التجربة الإندونيسية، يمكن للنقابة أن تضع نظاما استرشاديا للتدريب والتطوير، ومساعدة الصحف على إنشاء قواعد للتوظيف وإدارات للتطوير والمراقبة الداخلية.

–         الدولة: هناك دور مساند يمكن أن تلعبه الدولة في إطار التنظيم الذاتي للصحافة. أهم ما يمكن للدولة فعله في هذا الإطار هو أن “تقول لا لسيطرة الدولة على الصحف والمؤسسات الإعلامية”. على الدولة أيضا أن تضمن عدم تدخل الحكومات في شئون الصحافة والإعلام وأن تؤمن تعددية الصحافة وتمثيلها لكل شرائح المجتمع عبر مكافحتها للممارسات الاحتكارية في الصناعة.

التنظيم الذاتي على مستوى الصحيفة وعلى مستوى الصناعة (خبرات دولية)

  1. أمين المظالم (الجارديان البريطانية):

ابتدعت صحيفة الجارديان البريطانية نظاما متميزا في التنظيم الذاتي منذ 2003 على قيام مراجع مستقل بتقييم أخلاقي واجتماعي وبيئي للجريدة، وهي الجريدة البريطانية الأولى التي تمتلك نظاما لتلقي الشكاوي وأمينا للمظالم. ويقوم أمين المظالم، الذي يعينه المساهمون من بين الصحفيين الكبار ذوي التاريخ والاحترام في الجريدة، بالنظر في الشكاوي والتحقيق فيها والاستجابة لها بشكل علني، بالإضافة لمراقبة تنفيذ المعايير المهنية كما هي واردة في دليل التحرير وميثاق الشرف الصحفي الذي تعلنه الجريدة. ويكتب أمين المظالم عمودا أسبوعيا يفسر فيه تبني الجريدة لتوجهاتها في التحرير أو يستعرض معضلات التعامل مع قضية معينة أو إحدى الشكاوي التي تم تقديمها له. أمين المظالم مدته سنتان وله استقلالية كاملة عن رئيس التحرير ويعاونه محرران متخصصان يستعرضان معه أيضا تعليقات القراء على المقالات المنشورة على الموقع الالكتروني لتقييمها والتفاعل معها.

  1. مجلس الصحافة (تجربة بلغاريا)

المجالس الصحفية هي الصورة الأكثر شيوعا للتنظيم الذاتي على مستوى صناعة الصحف ككل. هذه المجالس يجب أن تتأسس من لاعبي مهنة الصحافة بعيدا تماما عن أي نفوذ للسلطة السياسية أو الحكومات. تساهم هذه المجالس في وضع مواثيق الشرف وفي لعب دور أمين للمظالم للصحف جميعا. ويشارك في هذا المجلس بالإضافة للصحفيين ممثلون لاتحادات أصحاب الصحف واتحادات رؤساء التحرير بالإضافة لنقابات الصحفيين. أما بالنسبة لتمويل هذه المجالس، ذات الطابع الطوعي المستقل، فهو يختلف من مكان لآخر. فبينما يعتمد على أصحاب الصحف في حالتي هولندا والسويد مثلا، يتم مناصفة بينهم كما هو الحال في النرويج، أو يكون النصيب الأكبر فيه للصحفيين ونقاباتهم كما هو منظم في سويسرا. ولا دور للدولة على الإطلاق في تمويل هذه المجالس.

وفي الحالة البلغارية، ترافق التفكير في تأسيس هذا المجلس مع انهيار ديكتاتورية الأحزاب الستالينية في مطلع التسعينيات. بدأت المناقشات في دوائر ضيقة من نخبة الصحفيين والمثقفين ثم ما لبثت أن توسعت. أنتج هذا الحوار سبع نسخ من ميثاق الشرف الصحفي وصيغ إدارة المجلس بين 1990 و2002 قبل أن تبدأ أولى الخطوات العملية مع انخراط ملاك المؤسسات الإعلامية في العملية ليتم إنشاء المجلس وإعلان ميثاق الشرف في 25 نوفمبر 2004 ليقوم بجميع مهامه في تلقي الشكاوى والرد عليها والعمل كوسيط بين المشتكين والصحف واتخاذ القرارات في الشكاوى بناء على القواعد المتفق عليها. كما يراقب المجلس أداء الصحف والمؤسسات المنضوية تحته ويحدد المؤسسات والصحف المخالفة وطبيعة المخالفات التي تقوم بها.

الضرورة والإمكانية في مصر

تبدو استراتيجية التنظيم الذاتي الأصلح للحالة المصرية، مع التراث التاريخي الذي انتفضت البلاد للتخلص منه في السيطرة الحكومية على الصحف وفي استخدامها لغير الصالح العام وفي التضييق على الصحفيين وحرياتهم. ومع التحول الديمقراطي الثوري الذي تشهده البلاد ونمو المؤسسات الإعلامية والصحفية الخاصة بلا تنظيم ولا أساس مهني سليم، تزيد الحاجة للتنظيم الذي لا يقمع الحريات في نفس الوقت. ومع أزمة الثقة اجتماعية تجاه الصحافة والإعلام يصبح من العملي، بل ومن المفيد لتوسيع دائرة مستهلكي الصحف، أن يدعم أصحاب الصحف الآليات المختلفة لهذا النوع من التنظيم الذاتي، الذي يخدم المصداقية والصالح العام  ومصالح الصحفيين وقدراتهم واستقلاليتهم، ويخدم في الوقت نفسه توسيع قاعدة توزيع الصحف.

____________________

قدمت هذه الورقة لندوة “إصلاح الإعلام في مصر.. رؤى وتوصيات” التي عقدها منتدى البدائل العربي للدراسات في 16 نوفمبر 2011

مصادر:

  1. The media self-regulation guidebook, organization for security and co-operation in Europe – The  representative on freedom of the media, 2008
  2. White paper on media regulation, media.syndicate, 20 March 2011
  3. http://www.guardian.co.uk/theguardian/page/readerseditor

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s