فساد الدولة لا يمكن التصالح عليه

 وائل جمال

الشروق

16 مارس 2011

شهران ونصف فصلا بين إصدار المجلس العسكرى فى صمت كامل لمرسوم يسمح بالتصالح فى قضايا الفساد فى المال العام، وبين الكشف عن مفاوضات مع بعض سكان طرة فى نفس الإطار. المرسوم الصادر فى العدد 52 مكرر من الجريدة الرسمية بتاريخ ٣ يناير أى قبيل انعقاد البرلمان، انفرد بالكشف عنه الحقوقى خالد على (المرشح المحتمل الآن لرئاسة الجمهورية) فى مقال له بالشروق فى ٣١ يناير.

وينص المرسوم بقانون رقم ٤ لعام ٢٠١٢ على إمكان التصالح مع «المستثمر» إذا سدد الفارق بين السعر الذى اشترى به الأصل العام وقيمته الحقيقية بأسعار وقت الشراء(تحددها لجنة يشكلها رئيس مجلس الوزراء دون إعطاء تفاصيل عن كيفية تشكيلها) وفى أى لحظة من لحظات التقاضى قبل ظهور الحكم البات. ويعطى المرسوم للوزير المختص أو للسيد كمال الجنزورى السلطة لاتمام التصالح الذى يخص فئة المستثمر دون غيره من مواطنى مصر، ويلغى كافة الأحكام القضائية والقوانين التى تتعارض معه.

ويتم تقديم فكرة التصالح مع رجال أعمال وسياسيين من ضمنهم أحمد عز وأحمد المغربى من قبل حكومة الجنزورى غير المنتخبة والتى من المفترض ألا يتجاوز عمرها أكثر من نهاية يونيو القادم، على أنها فى صالح الاقتصاد المصرى، الذى «سيستفيد من هذه الأموال».

ويبدو تقديم الفكرة، تقول الحكومة إنها قيد الدراسة، شبيها بتكتيكات بالونات الاختبار على طريقة وزير المالية السابق يوسف بطرس غالى، كما شرحها ذات مرة فى جلسة مغلقة من جلسات مائدة الايكونوميست المستديرة قبل سنوات: نسرب الخبر الذى يتوقع أن يثير جدلا. نرفض التعليق. ثم نقول إننا ندرس. وخلال هذا الوقت يستنفد الرأى العام نفسه فى الشد والجذب ويقول المعارضون كل ما عندهم. ثم عندما نأخذ الخطوة فعلا تكون متوقعة وطبيعية.

أما فكرة فائدة الاقتصاد فهى حجة واهية ولعدة أسباب. أولها أن هذه القضايا التى صدرت فيها أحكام تتعلق بالمال العام ونهبه. والتصالح فيه يعطى إشارة مرفوضة بإمكان الافساد فيه، وإنتم الامساك بك فلديك كل درجات القضاء قبل صدور الحكم الباب لتتراجع وتسدد ماعليك (بأسعار سنوات مضت ربما من الأرباح التى حصلتها) وتعود كما ولدتك أمك. وفى هذا الإطار لم يكن نهب المال العام سلوكا فرديا بل نمطا اقتصاديا وسياسيا يسمح قانون التصالح الذى أصدره العسكرى باستمراره بل وتأصيله ناهيك عن إنقاذ أبناء الطبقة من أبسط حقوق الوطن والمواطن المنهوب فى عقاب من سرقوه.

ثانيها، أن أثر الفساد، خاصة إن كان مؤسسيا وسياسيا كما كان الحال عليه، لا يتوقف عند هذه الصفقة أو تلك. بل إن أثره المدمر يمتد للمجتمع كله سياسته واقتصاده، بل ويتعارض بشكل مباشر مع آليات المنافسة فى السوق الحرة، التى يدافعون عنها ليل نهار.

ثالثها، أن قضايا الفساد التى قدمت للقضاء هى نذر يسير للغاية مما تم على مدى ثلاثين عاما وبالذات فى الثمانى سنوات الأخيرة منها. وبالتالى يقدم المرسوم رسالة طمأنة لرجال المال شركاء جمال مبارك، الذين ارتعدت فرائصهم بسقوطه، بأن الأعمال ستستمر كالمعتاد.

رابعها، أن هناك شبهة تعارض مصالح واضحة تتعلق بوجود السيد كمال الجنزورى على رأس هذه الحكومة. إذ حكم القضاء ببطلان بيع شركات خصخصتها حكومته وقت أن كان رئيسا للوزراء نهاية التسعينيات بسبب اهدار المال العام على رأسها شركتا النيل لحليج الأقطان والشركة العربية للتجارة. فكيف يكون هو صاحب السلطة فى إتمام التصالح وإغلاق الملف. بل وتمتد شبهة تعارض المصالح لمسئولين رفيعين آخرين فى الحكم كانوا أعضاء وقتها فى اللجنة العليا للخصخصة.

أما خامس الحجج التى تثبت أن الاقتصاد ليس هو المراد من هذه الخطوة فهى تتعلق ليس فقط باسترداد الأموال الهاربة الذى تتحرك فيه حكومات العسكرى بسرعة السلحفاة وبكفاءة متدنية ليست منزهة عن شبهة التعمد والتى تكفى فى حدها الأدنى لسد الفجوة التمويلية إياها، وإنما أيضا الأراضى الشاسعة والأموال الهائلة التى حصل عليها الفاسدون من أصحاب الهوية المزدوجة (سياسيون رجال أعمال)، وهى كفيلة بإنعاش الاقتصاد وتمويل كافة برامج مكافحة الفقر ودفع التنمية وتنشيط الأسواق.

وتضع منظمة الشفافية الدولية، المعنية بدراسة ورصد الفساد فى العالم، شروطا محددة لعمليات التصالح فى فساد المال العام لا تتوافر جميعها فى مرسوم العسكرى تتضمن أن تشرف عليها لجنة قضائية مستقلة وينبغى أن يشمل جلسة استماع عامة قبل سريان التصالح، وأن يتم عرض التصالح ونتائج التحقيق على كافة الأطراف المعنية: الشركات المنافسة والمجتمع المدنى والحكومة وممثلى المواطنين المنتخبين، قبل أن يتم إعلان الصفقة تفصيليا للرأى العام. كما تشترط المنظمة أيضا ضرورة أن تظل المحاكمة الجنائية دائما ممكنة لحماية قدسية المال العام وأن تتضمن أحكاما بالسجن وألا يدفع الغرامات على الأفراد طرف ثالث كشركة مثلا. وعلى العكس من مرسوم العسكرى تشترط الشفافية الدولية أن تتخطى قيمة العقوبة المالية الربح المحسوب من مخالفة القانون بل ويفرض الأشخاص المعنيون على أنفسهم قيودا طوعية فيما يتعلق بممارسة الأنشطة محل انتهاك القانون. وفى كل الأحوال تؤكد المنظمة أن التصالح فى المال العام لا يجب أن يكون القاعدة ولا سلسا أو سهلا بل استثناء تحدده كافة هذه الشروط.

بعد أن خنقت الاقتصاد بشل أى خطوة ضرورية لانعاشه وبعد أن سدت شرايين التمويل وتراجعت عن انعاش موارد الدولة هاهى طبقة الحكم السياسية تعلن انتماءها السافر لطبقة الحكم الاقتصادية بهذا القانون الذى مرر بليل. وهاهى تكشف وجهها مرة أخرى بمحاولتها إنقاذ أبنائها واحدا واحدا بعد أن تصورت أنها ضمنت استمرار نفس النظام الاقتصادى القديم بنفس شروطه ومنطقه. لكن هيهات.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s