المرشح لرئاسة مجلس إدارة مصر

وائل جمال

الشروق

2 إبريل 2012

يقول أحد عمال سيراميكا كليوباترا المضربين بحماس شديد فى فيديو مدته ١٠ دقائق من قلب الإضراب بثته حركة مصرين على يوتيوب: «احنا لما قمنا بالثورة قمنا عشان نلغى حكومة رجال الأعمال. احنا عايزين الحكومة اللى بتمثل الشعب تشوف الشعب عايز ايه». يصف العمال، الذين حققوا انتصارا شاملا فى كل مطالبهم فيما بعد، صاحب المصنع محمد أبوالعينين، رجل الأعمال والقيادى السابق فى حزب النظام المخلوع وبرلمانه، بأنه كان يدير البلد، فى وعى كامل بما يسميه الاقتصاديون والخبراء والسياسيون برأسمالية المحاسيب. غير أن الاستنتاج البسيط، فى سهولته ووضوحه وليس فى عمقه، الذى خرج به العامل الثائر، لا يحوز على تأييد قوى سياسية عديدة تقول إنها تمثل المصريين، وإلا كيف نفهم أن تقوم جماعة الاخوان المسلمين عبر حزبها بترشيح رجل أعمال لرئاسة مصر قائلة إن قرارها ينبع من «الحرص على استكمال الثورة والدفاع عنها»؟

من يدير البلاد؟ سؤال الثورة

رأسمالية المحاسيب هو مصطلح يصف اقتصادا يكون فيه النجاح فى الاستثمار وإدارة الأعمال معتمدا على العلاقات الوثيقة بين رجال الأعمال ومسئولى الحكم. وفيه يطفو فساد عالم السياسة إلى عالم البزنس فتؤثر الصداقات والقرابات العائلية بين المستثمرين والحكومة على الاقتصاد والمجتمع لدرجة أنها تحدد مسارهما.

وفى مصر، كانت سنوات حكومة نظيف تتويجا لخيار مشترك بين رأسماليين مصريين وبين الأسرة الحاكمة عكس نفسه فى تحويل هائل لثروة المجتمع، بشكل مباشر من أراضى وأصول الدولة أو غير مباشر بالمواقع الاحتكارية فى الاستيراد والإنتاج، لأيدى شريحة مقربة منتقاة من رجال الأعمال، سيطرت أجندتهم ومصالحهم على جدول أعمال الاقتصاد والمجتمع كله. ووجدت هذه المصالح تجسدها وحلفها السياسيين فى مشروع التوريث.

جاءت ثورة يناير من رحم هذا التداخل المركب الذى أفسد السياسة والاقتصاد معا، لتطلب ديمقراطية تحقق حرية وكرامة يعكسان تجليهما فى توزيع عادل للثروة: عدالة اجتماعية.

لكن الثورة نجحت فقط، حتى الآن، فى إزاحة المشروع السياسى لهذه المصالح المسيطرة التى أطعمها ورعاها نظام المخلوع حتى صارت أخطبوطية، وبقيت هى تبحث عن مشروع جديد تعيد تقديم نفسها من داخله.

وبرغم الضربة الهائلة التى وجهها الثائرون للتزاوج بين الثروة والسلطة، نجحت عصابات المصالح القديمة فى الحفاظ على مكتسباتها القديمة فى نظام ضرائب منحاز لها على حساب أغلبية المصريين ودعم مباشر لأرباح محتكريها فى الطاقة والصادرات..الخ. ليس هذا فقط. بل نجحت فى إيقاف قوانين كانت أساسية لتعطيل جزء من الآلية الأساسية فى رأسمالية محاسيب مبارك وجمال على رأسها قانون تعارض المصالح. ويضع هذا القانون، الذى دخل مشروعه أروقة حكومة شرف الأولى قبل أن تنحيه جانبا، قواعد لتنظيم عمل رجال الأعمال بالسياسة وبمناصب الدولة لكى يحاول تأمين عدم تأثر السياسة العامة بمصالحهم الخاصة.

بالتزامن مع هذا ظهرت أحزاب جديدة يتحكم فيها بشكل شبه كامل رجال أعمال، كان لهم صلات لا تنكر بنظام مبارك، لتضخ أموالا هائلة فى الدعاية وتدافع عن برنامج اقتصادى واجتماعى كان ليفخر به نظيف ورجاله. كما مولت المصالح القديمة عددا لا بأس به من القنوات الفضائية والصحف الجديدة للتأثير فى الرأى العام…الخ. وهاهو المال يطل برأسه وبجسده وبكل جبروته فى الانتخابات الرئاسية (مرة أخرى بعد الانتخابات البرلمانية) عبر الدعاية الهائلة غير المنضبطة وفى غياب القيود على تمويل المرشحين وغياب الشفافية فى مصادر التمويل. فهل هذه هى الديمقراطية التى نسعى إليها؟

درس أمريكى

فى الولايات المتحدة هناك قوانين تنظم تعارض المصالح، غير أن هذا لم يعف نظامها السياسى من مشكلات تأثير مصالح الأغنياء والشركات الكبرى فى مواجهة مصالح الأغلبية.

يكتب روبرت رايش، الاقتصادى الأمريكى الكبير وأستاذ الإدارة العامة بجامعة كاليفورنيا، فى عدد التاسع من أبريل ٢٠١٢ من مجلة «ذى نيشن» The Nation أن «الحكومة الكبيرة ليست هى المشكلة ــ كما يقول الجمهوريون الساعون لتقليص عجز الموازنة ودور الحكومة فى الاقتصاد. المشكلة هى المال الكبير الذى يستحوذ على الحكومة. الحكومة تفعل القليل مما يريدها أغلبيتنا أن تفعل ــ فى توفير مدارس عامة جيدة وكليات بتكلفة معقولة وتحسين البنية الأساسية وصيانة شبكات الأمان الاجتماعى وحماية العامة من المخاطر. وفى المقابل تفعل أكثر الأشياء التى يريدها الأغنياء وول ستريت والشركات الكبرى أن تفعل».

ويقدر الخبراء أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة ستشهد صعودا هائلا فى تمويل المرشحين لتصبح الانتخابات الأعلى تكلفة فى التاريخ بضخ حوالى ٦ مليارات دولار. «ولا يمنح الأغنياء والشركات هذه الأموال بدافع العمل الخيرى لكنها استثمارات يتوقعون عليها عائدا معتبرا»، يضيف رايش.

هذا الوضع المتفاقم فى واحدة من أكثر ديمقراطيات الرأسمالية قدما يفسر الصعود فى حركات المقاومة «احتلوا»، كما يفسر عزوف الناخبين الفقراء عن المشاركة فى العملية السياسية وعضوية الأحزاب، وهو وضع موجود بدرجات متفاوتة فى بريطانيا وفرنسا ودول أخرى.

فى استطلاع للرأى قامت به مؤسسة أبحاث «بالس» للرأى العام لحساب مؤسسة «تقارير راسموسن» الأمريكية فى يناير الماضى، قال ٦٤٪ إنهم يعتقدون أن الرأسمالية هى النظام الأصلح لبلادهم بينما اختار ١٥٪ الاشتراكية و٢١٪ قالوا إنهم غير مستقرين على رأى. لكن الأهم هو أن ٣٩٪ أكدوا أن النظام الذى يحكم بلادهم هو رأسمالية محاسيب منحاز للقلة التى تملك المال والسيطرة الاقتصادية.

يجىء هذا فى وقت تتصاعد فيه المواجهة بعد أن قررت هذه القلة أن تتنطع بنفسها لمهمة الحكم عبر شخص رجل الأعمال ميت رومنى، المرشح لتسمية الجمهوريين فى انتخابات الرئاسة المقبلة. وفى تعليق له على ترشح رومنى يقول بول كروجمان الاقتصادى الأمريكى الحائز على نوبل إن أمريكا ليست شركة وإن رجل الأعمال الناجح لا يخلق رئيسا ناجحا مركزا على الفوارق بين إدارة الدولة واقتصادها وإدارة شركة مهما كانت كبيرة، لكن كثيرين يعارضون الترشح ليس بالأساس من كفاءة الإدارة ولا منطلق تعارض المصالح المباشر (هناك قانون ينظمه) وإنما من منطلقات انحيازات الديمقراطية عموما وملاءمتها لاحتياجات تطورها وتعميق تمثيلها للناس.

مصر ليست شركة

فى يوم ترشيحه عن الاخوان لرئاسة مصر، أعلن خيرت الشاطر عن استقالته من الجماعة فى رسالة بأنه سيكون مرشحا لكل المصريين. لكن المؤتمر الصحفى لم يشر لنشاطات الشاطر الاقتصادية المتعددة. فمن خلال إدارته على مدى سنوات لنشاطات الجماعة الاقتصادية، التى اعتمدت عليها فى التمويل، تحول الشاطر إلى رجل أعمال بامتياز. فهو مؤسس ومساهم فى مجموعة مالك (يملكها زميله القيادى فى الاخوان حسن مالك) وسرار لملابس الرجال، ومؤسس ومساهم فى شركة الشهاب لتصنيع الأتوبيسات ومؤسس ومساهم فى شركة النقاء ورواج التى تملك استقبال للأثاث (تكلف الكنبة فى محالها ٦ آلاف جنيه) وسلسبيل للتجارة والاستثمار، وكان عضوا بمجلس إدارة بنك المهندس بين عامى ١٩٨٩ و١٩٩٢ ومستشارا لمجموعة الشريف لتوظيف الأموال على مدى سبع سنوات، وعضوا بمجلس إدارة البنك الدولى للتنمية والاستثمار، وكان أيضا المدير التنفيذى للشركة الدولية للاستثمار البحرينية ل٣ سنوات فى نهاية الثمانينيات.

لم يعلن الشاطر موقفه من استثماراته وشركاته بعد خاصة فى ظل غياب قانون يلزمه بذلك أو ينظم تعارض المصالح. لكن قواعد منظمة الشفافية الدولية، التى لا يتم العمل بها أيضا فى مصر، والتى تنظم ما يسمى بالباب الدوار Revolving Doors ، وهو ما يحدث حينما ينتقل الناس من مناصب حكومية لقيادة شركات أو العكس مؤسسين لصلات تفتح الباب لعلاقات تفضيلية وفساد، تفرض أيضا ما يسمى بفترة التبريد (كانت أول قرارات أوباما بعد وصوله للبيت الأبيض). وفترة التبريد هى فترة فاصلة بين آخر المناصب فى الشركة وأولها فى الدولة والعكس وتبدأ مدتها من سنة وتزيد إلى اثنتين وثلاث سنوات فى حالات أخرى. وهو ماكان يكفى لاستبعاد الشاطر من السباق.

لكن ترشيح الشاطر لا يحمل فقط مشكلات تعارض المصالح من هذا النوع بل إنه أيضا يجافى اعتبارات التحول عن رأسمالية المحاسيب التى انحازت سنوات لرجال أعمال مبارك وابنه. فهل يليق أن يحكم مصر بعد ثورة تطيح بهذا النظام من يجىء من نفس منطقة الشبهة فيه؟

ليس هذا فقط. فهناك ما يجعل من الشاطر مرشحا توافقيا بين حكم الاخوان السياسى ومصالح الأعمال القديمة. فلقد نظمت شركة المجموعة المالية هيرميس (بنك الاستثمار الذى كان جمال مبارك شريكا مباشرا فى إحدى الشركات التابعة له، والذى لعب دورا هائلا فى عمليات «التحرير» لاقتصاد مصر وفى الخصخصة) على مدى الشهور الماضية لقاءات بين الشاطر وبين ١٤ مديرا للاستثمار من أوروبا والولايات المتحدة. وقال وائل زيادة مدير البحوث بهيرميس لموقع صالون الإخبارى الأمريكى فى يناير الماضى إنه يعتقد أن «الاجتماعات استبعدت دواعى القلق لدى المستثمرين من السياسة الاقتصادية للحكومة المقبلة».

لم يتوقف الأمر عند اللقاء المباشر مع مستثمرين بترتيب من هيرميس وإنما أطلقت الجماعة أيضا جمعية بداية لتنمية الأعمال لعقد الوصل مع المصالح القديمة ليحضر الاجتماع التأسيسى نخبة من رجال أعمال مبارك، وبعضهم أعضاء سابقون فى الحزب الوطنى المنحل، وقيادات مؤسساته الاقتصادية. ونقل موقع الاخوان على الانترنت تصريحات لرئيس اتحاد الصناعات المقرب من جمال مبارك وعراب الكويز مع إسرائيل، جلال الزوربا، يمدح فى الخطوة ويؤكد على أهميتها.

ويتأكد التوجه والتحالف الجديد من تصريحات حسن مالك، رجل الأعمال الاخوانى وشريك الشاطر، لوكالة رويترز فى نوفمبر الماضى، بأن سياسات مبارك

الاقتصادية لم تكن كلها خاطئة، غير ناسٍ أن يشيد برشيد محمد رشيد وما جلبه من استثمارات أجنبية للبلاد.

يرصد رايش فى مقاله عن المال الكبير فى الولايات المتحدة ما يقول إنه مطالب أساسية للأمريكيين الآن: “استعادة ضريبة الدخل على أغنى ١٪ إلى ماكانت عليه قبل ١٩٨١ أى ٧٠٪ على الأقل، ضريبة معاملات على صفقات البورصة، إعادة تنظيم الديون العقارية للفقراء بما يمكنهم من الاحتفاظ ببيوتهم، اتاحة التأمين الصحى (ميديكير) للكل، تخفيض الميزانية العسكرية ب٢٥٪ على الأقل خلال العقود القادمة، والافصاح عن كل تبرعات الشركات للسياسيين وتعديل دستورى لتحجيمه».

هل يمكن لرئيس رجل أعمال أن يحقق مثل هذه المطالب، الواجبة فى أمريكا، للمصريين؟ هل يمكن لرجل أعمال أن يدخل مواجهة لفرض الرقابة الشعبية والسياسية الديمقراطية على مشروعات القوات المسلحة؟ هل يمكن لرجل أعمال، فى هذه الظروف وبخيوط تحالف مثل الذى يحوزها الشاطر مع المصالح القديمة، أن يكمل مهام الثورة حقا فى اتجاه العدالة الاجتماعية؟ مصر ليست شركة وبالتأكيد ليست فى حاجة لرئيس مجلس إدارة يحافظ عليها فى خدمة المصالح القديمة. «احنا لما قمنا بالثورة قمنا عشان نلغى حكومة رجال الأعمال. احنا عايزين الحكومة اللى بتمثل الشعب تشوف الشعب عايز ايه»، يذكرنا عامل سيراميكا كليوباترا.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s