كريس بامبري: في بريطانيا الحركة العمالية الصاعدة تعانق حركة مناهضة الحرب

حاوره: وائل جمال

أوراق اشتراكية

يونيه ـ يوليو 2004

الناشر: مركز الدراسات الاشتراكية

حول تطورات الصراع الطبقي في بريطانيا وبوادر انبعاث الحركة العمالية هناك والعلاقة بين هذا الصعود والحركة المناهضة للحرب، أجرى وائل جمال هذا الحوار مع كريس بامبري، الاشتراكي البريطاني والعضو القيادي في حزب العمال الاشتراكي أثناء زيارته للقاهرة للمشاركة في مؤتمر القاهرة نهاية مارس الماضي.

تشهد بريطانيا في الأشهر الأخيرة صعودا واضحا في حركة العمال واحتجاجاتهم سواء فيما  يتعلق بالمعاشات أو قضايا أخرى. بامبري يرى في هذا الصعود عملية إحياء وانبعاث جديدة للحركة العمالية. يقول بامبري “في الثمانينات، وفي ظل حكم مارجريت تاتشر تعرضت النقابات العمالية، وباقي المجتمع البريطاني لسلسة من الهزائم تركت رابطتها لفترة طويلة على قدرة العمال على المقاومة والإضراب وتحقيق النصر. الآن هناك علامات على التعافي في الشهور الأخيرة”.

في مارس الماضي كان من المزمع القيام بإضراب يشارك فيه أكثر من ربع مليون عامل حول المعاشات التي تنوي حكومة بلير الانقضاض عليها. لكن حكومة بلير تحركت وقدمت تنازلات للحيلولة دون أن يتم الإضراب الذي كان ليصبح الأكبر من نوعه في العقود الماضية. وقبلت قيادات النقابات  الصفقة والتي لا يتفق بامبري على أنها جيدة لهذه الدرجة. لكن الأهم هو أن الحكومة تراجعت “وهو الأمر الذي صار يعني أن العمال وحركتهم أصبحا يستطيعان الآن الحصول على مكاسب” كما يقول الاشتراكي الثوري البريطاني.

الصعود العمالي والحركة المناهضة للحرب

هذه العملية من التعافي ليست مفصولة عن الحركة المناهضة للحرب في بريطانيا. فقد استطاعت هذه الحركة  حشد وتعبئة أعداد غير مسبوقة في التاريخ المعاصر البريطاني. الكثير من هؤلاء عمال وهم إما ليسوا أعضاء أصلا في النقابات أو ليسوا أعضاءا  نشطين. جاء ذلك على خلفية الغضب المتصاعد من السياسات الليبرالية الجديدة التي جاءت بها تاتشر وحولت بريطانيا إلى واحدة من أكثر البلدان تطرفا فيما يتعلق بعدم المساواة الاجتماعية. فدخول العشرة في المائة في البلاد (يمتلكون في 1995 57% من الثروة) زادت بحوالي 68% بين 1979 و1995. بينما هبطت دخول العشرة في المائة الأفقر بنسبة 8% في نفس الفترة. وساهمت سياسات بلير وحكومة العمال في استمرار نفس الاتجاه بل وتصعيده.

ويعطينا بامبري مثالا على هذا التفاعل بين الحركة المناهضة للحرب والعمال البريطانيين. “هناك عربة للدعاية في غرب لندن.  في البداية جذبت هذه العربة بعض الجمهور من     شمال أفريقية، من الكاريبي ومن الشرق الأوسط أي بالأساس من المهاجرين.  لكن لاحقا بدأت تظهر وجوه من النقابات العمالية. أستطيع القول أيضا أن هناك علامات على ظهور طبقة عاملة جديدة  وهم أناس لم يكونوا يعرفون أنفسهم قبل ذلك على أنهم من الطبقة العاملة وليس لهم أي تاريخ مع النشاطات النقابية وأصبحوا الآن واعين بانتمائهم ذلك ويحاولون البحث عن طرق للتنظيم والدفاع عن مصالحهم. والحركة المناهضة للحرب لعبت دورا هاما في ذلك. بالطبع، لندن مدينة معولمة للغاية وبالنسبة للكثير من هؤلاء فهم مسلمون أو من أصول عربية فلبينية أو باكستانية وهم جزء هام من هذه الطبقة العاملة الجديدة هذا بالطبع إلى النساء الذين أصبح عددهم أكبر بخمسين في المائة فيما يتعلق بوضعهم داخل تركيبة الطبقة العاملة البريطانية” يقول بامبري.

إلى جانب ذلك، هناك بالطبع الصلة بين ما يحدث في العراق وما يحدث على صعيد القضايا الداخلية وهي صلة بدأت تزداد وضوحا في الفترة الأخيرة. يقول بامبري إن “هناك صلة مباشرة بين الحرب والهجمات على الحريات المدنية في بريطانيا من قوانين للطواريء وغيرها.والناس يربطون مباشرة بين استمرار الحرب على العراق واستمرار حزمة السياسات التي تطبقها حكومة بلير على مدى السنوات الماضية وعلى رأسها الهجمة على المعاشات. أيضا استمرار خصخصة التعليم والصحة وغيرها. إذن الناس يفهمون أن هناك صلة بين الهجمة العالمية وفي بريطانيا على المكاسب الجماهيرية وبين ما يحدث في العراق”.

الاشتراكيون البريطانيون والهجمة على المسلمين

منذ الحادي عشر من سبتمبر كانت هناك هجمات مستمرة ضد المسلمين في بريطانيا والولايات المتحدة وعبر أوربا. يؤكد بامبري أن نفس الشيء حدث قبل ذلك في بريطانيا في السبعينات ضد الآيرلنديين كاستجابة للحملة العسكرية للجيش الجمهوري الآيرلندي.

ويضيف بامبري أن “نفس الكلمات التي كانت تقال وقتها ضد الآيرلنديين أصبحت تقال الآن ضد المسلمين. ومن واجب أي اشتراكي أن يدافع عن هؤلاء الذين يتعرضون للقمع بسبب انتمائهم الديني أو القومي. ولقد قابلنا العديد من القيادات الشجاعة داخل المجتمع المسلم في بريطانيا الذين يتفقون معنا في العديد من القضايا على رأسها الحرب على العراق أو الحريات المدنية. لكن  يبقى أن هناك العديد من الاختلافات أيضا. واعتقد أن واجبنا هنا هو أن نعمل معا عندما نتفق وأن نواصل النقاش والدفاع عن حججنا عندما نختلف. أحيانا سنستمر في الاختلاف لكن حينها سنستمر في العمل سويا لأن قضايا مثل الحرب لا يمكن تجاهلها. بالذات في إطار إننا لو نجحنا في توحيد تلك التيارات المعادية للحرب على العراق هناك إمكانية حقيقية لتوجيه ضربة عكسية قوية لبلير”.

حزب العمال الاشتراكي والحركتان

منذ اللحظات الأولى للحركة المناهضة للحرب كان حزب العمال الاشتراكي في قلبها. يقول الاشتراكي البريطاني :”لقد حاولنا بناء الحركة المناهضة للحرب وحاولنا ربط هذه الحركة بالنقابات من خلال الدفاع عن فكرة أن هذه الحركة تجذب أعدادا هي الأكبر في الحركة الجماهيرية في بريطانيا وأن النقابات من خلال الارتباط بهذا الزخم القادم من أسفل تستطيع إعادة بناء نفسها مرة أخرى.ولقي هذا نجاحا كبيرا”.

 بالإضافة إلى ذلك حاول حزب العمال الاشتراكي  بناء تواجد ونفوذ في بعض المواقع العمالية الرئيسية كعمال البريد أو مترو الأنفاق من خلال الدفع بنشاط قاعدي مستقل للعمال القاعديين وتنظيمهم. “يعني هذا أنه في الوقت الذي يساند فيه هؤلاء أي خطوات يعتبرها العمال إيجابية من النقابة فهم يحتفظون بحق القيام بتحركات مستقلة. نحن الآن لدينا منظمات قاعدية في أوساط عمال البريد ومترو الأنفاق. هذا إلى جانب دفع نشاط الدعاية وبيع جريدة العامل الاشتراكي حول أماكن العمل والمصانع. وجاءت النتائج جيدة وأحيانا لا.  لكن المؤكد هو أن مبيعات جريدتنا في أوساط العمال وصلت لمستويات قياسية حتى بالمقارنة بفترة الصعود العمالي التاريخية في أوائل السبعينات. ومن المثير للانتباه أننا الآن نستطيع بيع العامل الاشتراكي بأعداد أكبر من وقت كان العمال يضربون فيه بأعداد أكبر بكثير بفعل الحركة ضد الحرب” يقول بامبري.

معضلة بناء الحركة والحزب في وقت واحد

على مدى سنوات منذ الثمانينات إلى التسعينات كان الحزب ينمو عبر التجنيد الفردي وعبر فعالياته المنفردة الضيقة لكن مع هذه التطورات الفارقة كان عليه أن يتغير.  “كنا دائما نحاول دائما الاشتباك مع الحركة حول قضايا عمالية وأخرى مثل الحرب في يوغوسلافيا. لكن الوضع تغير جذريا الآن. هناك الآن حركة جماهيرية واسعة بعد أن استطاعت حركة مناهضة الحرب الوصول لكل مدينة في بريطانيا هذا إلى جانب الحركات الأخرى . لا نستطيع العمل بنفس الطريقة. يجب أن نكون جزءا من الحركة وفي الوقت نفسه نقاتل من أجل أفكارنا لأن هناك دائما مناظرات ونقاش دائمين.  وبالطبع نحن لا نمتلك كل الإجابات لكننا دائما يجب أن نندفع ليس فقط في أن نكون نشطاء في الحركة لكن أيضا في بيع جريدتنا وفتح أوسع نقاش مع المشاركين وجذبهم للاشتراكية. ومن خلال ذلك نغير الحركة وندفعها أيضا. لا نستطيع بناء الحزب بمعزل عن الحركة. هناك تغير جذري في الطريقة التي نعمل بها الآن. أعضاؤنا لهم مواقع هامة في هذه الحركات (جون ريس وليندسي جيرمان وغيرهم) وهو ما يساهم في دفع أفكارنا حول التغيير والثورة” يؤكد بامبري.

أما عن جريدة العامل الاشتراكي فقد تم إعادة هيكلتها. يقول بامبري:  “وضع جريدتنا قد تغير كثيرا في الشهور الثمانية الأخيرة حيث صارت جريدة أكثر انفتاحا على الحركة وهي بذلك تجمع بين كونها جزءا منها يدافع عن سياستنا المستقلة لكن بشرط أنها أولا جزء من الحركة”.

وتقييم بامبري يظل إيجابيا لما أنجزه حزب العمال الاشتراكي في الفترة الماضية. “يجب أن نظل نقديين لأنفسنا. فلم نكن مؤثرين في الجامعات وبعض المواقع العمالية التي كان من الممكن النمو فيها.  لكن بشكل عام نحن ننمو بشكل أفضل وأسسنا أنفسنا في الحركة كقوة لها مصداقية ونفوذ”.

Advertisements

شكرا على تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s