الأساطير المؤسسة للسياسة الاقتصادية في عصر نظيف

هذه سلسلة من ٦ مقالات تحت العنوان أعلاه نشرت في الشروق بين ٢٦ أكتوبر ٢٠١٠ و٣١ أكتوبر ٢٠١٠، وتظل هذه الثوابت (الأساطير) هي الحاكمة للسياسة الاقتصادية بعد سقوط مبارك وللآن.

(1) النمو أولاً.. والباقي يأتي لاحقاً

الشروق

26 اكتوبر 2010

تقول الفقرة الأولى فى كتاب أصدره البنك الدولى منتصف الشهر الماضى عن الاقتصاد العالمى، تحت عنوان «اليوم الذى يتلو الغد»، ما يلى: «لم تغير الأزمة المالية العالمية فى 2008 و2009 النظام الاقتصادى العالمى فقط وإنما أيضا طريقة تفكيرنا بخصوصه. المبادئ والممارسات التى كانت حكمة مقبولة صارت محل شك أو بلا مصداقية. وانفتحت أمامنا أسئلة أساسية جديدة لم يكد البحث عن إجاباتها يبدأ». وتبقى السياسة الاقتصادية المصرية محصنة بستار كثيف من المصالح، ستار فكرى وايديولوجى، ضد الشك والأسئلة.

فى المؤتمر الثانى للحزب الوطنى الديمقراطى، الذى انعقد بعد شهرين من وصول حكومة نظيف للحكم، علق وزير المالية يوسف بطرس غالى على مشروع تخفيضات جمركية وضريبية، اقرها مجلس الشعب لاحقا قائلا: «لا اعتقد ان الامر يحتاج سنينا لكى تسقط ثمار آثار تلك الاصلاحات على المواطن العادى. وإن كان القانون يحتاج إلى ما بين 5 و6 شهور ليتم تفعيله فإن التغيير بدأ فورا».

ولم ينس غالى التأكيد على المنطق الأساسى لهذه العملية وهو دفع النمو الاقتصادى بتحفيز أرباح واستثمارات القطاع الخاص وهو ما من شأنه خلق الوظائف وتحسين الدخول وتقليص الفقر وتحقيق تطور تنموى للمجتمع كله.وكنا قد تصورنا أن هذا الموقف تغير فى ابريل الماضى مع تصريحات لوزير الاستثمار محمود محيى الدين، أعلن فيها «نهاية هذه النظرية» قائلا إنه لا توسيع لتوزيع ثمار النمو الاقتصادى، الذى باتت الاغلبية فى الحكم مقتنعة انها لم تصل لعموم المصريين، دون تغييرات ضريبية تأخذ من الأغنياء وتدخل للدولة.

لكن وزير التنمية الاقتصادية، عثمان محمد عثمان، عاد يوم الجمعة الماضى ليؤكد من العين السخنة (وهى للمفارقة نفس البقعة التى تحدث منها محيى الدين الذى لم يعد وزيرا)، وفى ندوة عن دور القطاع الخاص فى التنمية، أنه لا يمكن تحقيق عدالة فى توزيع الدخل دون أن نحقق نموا مرتفعا.

وبعد أن نفى أن «تكون الحكومة قد تبنت فى أى من الأوقات نظرية تساقط الثمار» عاد ليردد مقولتها الأساسية قائلا: «ليس معنى العدل الاجتماعى أن نأخذ من الغنى لنعطى الفقير أو نأخذ قطعة من الكعكة لتعطيها لفئة أخرى ولكن أن نزيد من حجم الكعكة التى نقوم بتوزيعها». وأعلن الوزير أن خطة تنمية مصر فى ال 6 سنوات المقبلة تستهدف مضاعفة الناتج المحلى الاجمالى عبر زيادة استثمارات القطاع الخاص مما يقرب من 100 مليار جنيه حاليا إلى 500 مليار فى 2016/2017.

هذا التوجه يقوم على أسس سادت السياسة الاقتصادية العالمية منذ نهاية الثمانينيات وتعرضت لضربات متلاحقة فى السنوات الأخيرة توجتها الأزمة العالمية، التى تسببت فى سقوط مدو لليبرالية حرية الأسواق اللامحدودة، التى قيل إنها الأكفأ والأقدر على تحقيق رفاه البشر.

ولم يعد أحد فى حاجة لاثبات أن الصلة بين نمو الناتج المحلى الاجمالى والتنمية (تنمية البشر) ليست مثالية ولا مؤكدة. فبلدان الشمال الاوروبى كفنلندا والنرويج لا تتصدر العالم من حيث متوسط نصيب الفرد منه ولا معدلات نموه. لكنها تحتل مكانة متقدمة للغاية على مؤشر التنمية الانسانية الخاص بالبرنامج الانمائى للأمم المتحدة.

ويقول هذا بشكل واضح إنها أكثر كفاءة فى ترجمة النمو إلى رفاهة حقيقة للناس بفضل خدمات امة مكثفة تمولها ضرائب مرتفعة، بينما هناك دول كالولايات المتحدة وبريطانيا، تحتل موقعا متقدما من حيث متوسط نصيب الفرد (الذى لا يكشف الفجوة بين الاعلى دخلا والاقل دخلا)، ومكانا متأخرا بالنسبة لمجموعة الدول الأولى على مؤشر التنمية. وتطبق هذه الدول، الأقل كفاءة فى تحويل النمو إلى الناس، معدلات ضريبية منخفضة نسبيا وبرامج اجتماعية أضعف.

تأتى هذه المفارقة من أن سياسات الدول التى تتبنى حرية الأسواق على طريقة نمو الأرباح أولا، تميل للانحياز لمناخ الاستثمار «الجيد» على حساب أى شىء آخر. دول الليبرالية الجديدة تفضل سلامة النظام المالى وسيولة المؤسسات المالية على ظروف السكان وسلامة البيئة.

وضاعف من حدة هذه المشكلة تطوران مهمان. الأول هو أن مقياس الناتج المحلى الاجمالى ونموه، الذى تعطيه حكومة مصر الأولوية، أصبح محل شك، بسبب قصوره فى قياس كل الأنشطة الانتاجية والخدمية. وصار هناك شك كبير فى أنه يعطى صورة حقيقية لانتاجية المجتمع ورفاهيته.

هذه الانتقادات القديمة تحولت مؤخرا إلى تحرك شمل العديد من الحكومات، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، لاعادة النظر فيه. وتعكف مجموعات من الخبراء الاقتصاديين الكبار منهم عدد من الحائزين على جائزة نوبل فى الاقتصاد كأمارتيا سن وجوزيف ستيجلتز، على اعداد مؤشر آخر أكثر قدرة على قياس حقيقة عيش الناس وإنتاجهم. ويقول اقتصاديون بعضهم منتمون لمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية إن الاعتماد على الناتج المحلى لم يعط فقط صورة مغلوطة عن الأوضاع الاقتصادية لكنه أيضا «حرف اتجاه اهداف السياسة فى العالم نحو مطاردة بلا عقل للنمو الاقتصادي»، كما يقول الكاتب فى نيويورك تايمز جون جيرتنر.

أما التطور الثانى، فهو الظهور والنجاح النسبى لما يسمى «الدولة التنموية» كماليزيا فى آسيا وبرازيل لولا داسيلفا. فهذه الدول تعتمد على القطاع العام والدولة والتخطيط الحكومى مع تنسيق وثيق مع الشركات المحلية والعالمية لدفع التراكم الرأسمالى عبر النمو. وتعطى الدول التنموية اهتماما خاصا للبنية الأساسية الاجتماعية والمادية على حد سواء، وهو ما يعنى سياسات تحقق درجة أعلى بكثير من المساواة عبر تسهيل الحصول على فرص التعليم والعناية الصحية للكل عبر استثمارات حكومية كثيفة فى المجالين.

يضاف إلى ذلك ما يحدثه النمو المدفوع بأرباح الشركات الكبرى من آثار بيئية خطيرة تضع حدودا حتمية له فى المستقبل مع ثمن باهظ تدفعه الأجيال القادمة. ولسنا بعيدين عن هذا بما يحاصرنا فى مصر من أزمات ندرة فى المصادر الطبيعية من الطاقة للمياه.

ويقول كتاب محرر صدر العام الماضى لعدد من الكتاب الآسيويين، بعنوان الديمقراطية الاقتصادية عبر النمو المنحاز للفقراء، إن منظور تساقط الثمار قد سقط نهائيا، مناديا بتبنى منظور فكرى جديد، لم يعد بعيدا عن أجندة الحكومات، ديمقراطية كانت أم لم تكن.

«إذا كنا فشلنا فى تقليل الفقر بدفع معدل النمو أولا لماذا لا نجرب مدخلا جديدا: فلنقض على الفقر أولا ولنر ما إذا كان ذلك سيدفعنا إلى مسار نمو أعلى وأكثر استدامة؟». ويقول الكتاب إن الفقراء ليسوا قليلى الكفاءة وإنهم يساهمون بالفعل فى النمو الاقتصادى، حتى إن تجاهلهم مؤشر نمو الناتج المحلى الاجمالى، ولو حصلوا على التعليم والصحة لساهموا بالمزيد «بكل تأكيد». ولا ينسى الكتاب حقوق الفقراء السياسية فى الحصول على احتياجاتهم الأساسية، وعلى المعلومات، وعلى «العدالة».

تساقط الثمار على طريقة حكومتنا لم يعد خيارا رائجا فى عالم الرأسمالية. النمو لا يرفع معه كل المراكب. بل ُيغرق أغلبها. أما ما يسقط من فتات من على موائد أصحاب الشركات الكبرى، فلا يريده أحد.

(2) الأغنياء يدفعون ضرائب أقل.. لمصلحة المجتمع

الشروق

27 اكتوبر 2010

كان الكاتب الفرعونى أولا وقبل كل شىء كاتبا فى ديوان من دواوين الحكومة، وكان سيدا، وكان يعلم هذه الحقيقة ويكررها كثيرا فى أوراق البردى. «إن الكاتب هو الذى يفرض الضرائب على مصر العليا ومصر السفلى، وهو الذى يجمعها. إنه هو الذى يمسك حساب كل شىء، وتعتمد عليه جميع الجيوش. إنه هو الذى يأتى بالحكام أمام الفرعون ويحدد خطوات كل رجل».

وتظل الضرائب فى دولة القرن الحادى والعشرين عنصرا أساسيا فى السياسة. وهكذا لم تنتظر حكومة نظيف سوى 65 يوما بعد تعيينها لتعلن تعديلات ضريبية وصفها وزير المالية يوسف بطرس غالى بأنها «ثورية»، مضيفا خلال مؤتمر صحفى فى أكتوبر 2004 أن الحكومة «ظلت تعمل عليها فى الـ64 يوما التى سبقت الاعلان».

التعديلات التى صدرت بقانون فى 2005 أنهت الضرائب التصاعدية فى مصر، أى أن يدفع الأغنى معدل ضريبة أكبر يتناسب مع حجم دخله. وبدلا منها أرست نظاما ضريبيا يقوم على ما يسمى بالمعدل الموحد. انحصر الاعفاء الضريبى لمن يحصلون على دخل أقل من 5000 جنيه سنويا. وأصبح من يحصل على دخل بين 5 ــ20 ألف يدفع 10% بدلا من 27%، ومن يحصل على ما بين 20ــ40 ألفا يدفع 15% من دخله بدلا من 35%. أما الأغنى فيدفعون 20% بدلا من 40%. والأهم من ذلك هو أن ضرائب الشركات تراجعت للنصف من 42% إلى 20%.

يقوم منطق الحكومة على أنه برغم التخفيض ستزيد الحصيلة، وهو ما يفيد الفقراء فى نهاية الأمر. كيف؟ الضريبة الموحدة سهلة ويمكن التنبؤ بها بسهولة مما سيدفع المتهربين، وهم كثر، إلى دفعها، خاصة الشركات والأغنياء، معوضين فى ذلك أثر التخفيضات على الموازنة. وثانيا، الحوافز الضريبية الجديدة ستشجع الاستثمار الخاص، ليخلق وظائف ويرفع الدخول للمستثمرين والعاملين، مما سيعكس نفسه مرة أخرى فى الحصيلة.

والحقيقة أن هذا المنطق الاقتصادى غير ما يبدو عليه، وغير ما حدث. صحيح أن الحصيلة الضريبية زادت بشكل مطرد لكن لأسباب أخرى. فقانون الضرائب الجديد أضاف شرائح ضريبية كانت مستبعدة كعمال اليومية والمكافآت والحوافز غير الأساسى للضريبة، وبالتالى أصبح أصحاب الأجور، خاصة الأدنى هم الذين يدفعون أكثر. ولم تعف الضريبة سوى الذين يتلقون إجمالى دخل يقل عن 416 جنيها شهريا.

وتكشف أرقام وزارة المالية عن الحساب الختامى للعام المالى 2009/2010 أن صاحب أكبر نسبة من إجمالى الضرائب على الدخول والأرباح والمكاسب الرأسمالية الذى بلغ 88.656 مليار هو هيئتا البترول وقناة السويس بـ45 مليار جنيه. أما نصيب العاملين بأجر من الضرائب فبلغ 13 مليار جنيه مقارنة (لاحظ الفرق بين الأغنى والأفقر) بـ22.9 مليار فقط دفعتها الشركات، ومن ضمنها عز وموبينيل وغيرها مما تحقق أرباحا بالمليارات ونجاحا منقطع النظير.

أما الاستثمار الخاص فظل ضئيلا برغم تحسنه، ولا يتجاوز حاليا 100 مليار جنيه. بل إن معدل الاستثمار الكلى بالنسبة للناتج المحلى الاجمالى أقل كثيرا من المطلوب. ولم يقفز لما فوق الـ20% إلا مرة وها هو يقبع عند 19%، وهو معدل لا يضمن الكثير من التنمية ولا التقدم.

وتقول الدراسات الإمبريقية إنه لا يمكن إعطاء المعدل الموحد للضريبة ميزة على الضرائب التصاعدية فى دفع النمو الاقتصادى. وتكشف دراسة لصندوق النقد أن الزيادات الكبيرة فى الناتج الروسى بعد تطبيق معدل ضريبة موحد بـ13% لم تكن بسببها و«إنما بفضل ارتفاع اسعار البترول وزيادة الاجور وتشديد العقوبات على التهرب الضريبى».

لكن ما تجمع عليه الدراسات حقا هو أنها تزيد من عدم المساواة فى المجتمع كما حدث فى مصر. خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار عناصر أخرى للنظام الضريبى معادية للفقراء أيضا، كضريبة المبيعات، وضريبة القيمة المضافة التى يعتزم غالى الدفع بها قريبا. وفيما عدا الضريبة العقارية لا توجد ضرائب موجهة للأغنياء بالأساس، ولا لتوجيه ثرواتهم لصالح المجتمع سواء من خلال سد العجز فى الموازنة، لكى تستطيع الدولة الوفاء بالتزاماتها المطلوبة فى التعليم والصحة والخدمات، ولا حتى لتوجيه هذه الموارد اقتصاديا نحو أنشطة إنتاجية تدفع التنمية والتقدم. وترفض حكومة نظيف بإصرار لا يلين فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية المترتبة على التربح من بيع وشراء الأصول العقارية والأوراق المالية، علما بأن هذه الضريبة تصل فى الولايات المتحدة، كعبة العمل الخاص فى العالم، إلى 35%.

أما البديل، فهو واضح وضوح الشمس. فقد وفرت لنا الاقتصاديتان باولا بروفيتا وسيمونا سكابروسيتى فى كتاب صادر فى مايو الماضى، وحاز تقدير صندوق النقد (يرأس فيه غالى لجنة مهمة) بعنوان «الاقتصاد السياسى للضرائب: دروس من الدول النامية»، مقارنة تحليلية بين الأنظمة الضريبية فى آسيا وأمريكا اللاتينية والاتحاد الأوروبى، تستنتج بالأرقام أن عوائد الضرائب أعلى فى الدول الديمقراطية لأن عليها أن ترضى الحاجات التوزيعية للناخبين. وتكتشف الباحثتان أيضا أن الديمقراطية تؤثر على تركيبة الضرائب. فكلما كانت هناك ديمقراطية زاد الاعتماد على الضرائب المباشرة (وليس ضرائب المبيعات التى تسمى غير مباشرة) وعلى الضرائب التصاعدية، أى أن يدفع الأغنياء أكثر.

وهكذا يضيف نظامنا الضريبى بعد آلاف السنين الشركات الكبرى للكاتب الفرعونى الديكتاتور، الذى كان معفى من الضرائب، لكى « تمسك حساب كل شىء» تقريبا، وتتحمل أقل عبء مقارنة بأغلب من يماثلونها فى نظم الديمقراطية الانتخابية فى العالمين النامى والمتقدم.

(3) انهيار نموذج التصدير كمحرك الاقتصاد

الشروق

28 اكتوبر 2010

على موقع وزارة التجارة والصناعة، وتحت عنوان استراتيجية الصادرات المصرية، تقرأ هذه الكلمات التى تعبر عن توجه أصيل فى سياسة مصر الاقتصادية: «التصدير قد أصبح الآن قضية حياة أو موت لأن استمرار جهود التنمية رهن بزيادة قدرتنا على التصدير لأسواق العالم الخارجى. وبدون نجاح التصدير تنحسر آفاق التنمية وتقل فرص العمالة، وتضعف الآمال فى إحداث تحسين جاد فى مستويات حياة الأفراد، وتلك هى أخطر التحديات التى تواجه مصر».

وتفسر الوزارة ذلك بقدرة التصدير «على خلق فرص عمل جديدة، وإصلاح العجز فى ميزان المدفوعات، وجذب الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى ومن ثم تحقيق معدلات نمو مطردة».

وليس الموقف المصرى غريبا على ماكان يحدث فى العالم على مدى 5 عقود. فقد تبنت مصر هدف تنمية الصادرات قبل وصول حكومة نظيف للحكم بوقت طويل. لكن الرؤية الحاكمة لكيفية تطوير الاقتصاد والتنمية لم تضع التصدير أبدا فى المكان الذى وضعته فيه تلك الحكومة.

وعلى مدى خمسين عاما كوفئت دول العالم النامى، التى طورت قدرات تنافسية لصادراتها، كتايوان وكوريا الجنوبية ثم ماليزيا وتايلاند وسنغافورة وأخيرا الصين والهند، بمعدلات نمو اقتصادى هائلة. وساهم التصدير فى تدعيم أرضية اقتصادية داخلية قوية فى هذه الدول ليرفع سقف التنمية فيها بدرجة حولت بعضها من دول متخلفة إلى دول صناعية متقدمة.

لذلك فالإغراء كان مبررا، خاصة بالنسبة لحكومة تتبنى منطلقات تحرير الأسواق. وهكذا كان طبيعيا أن يكون فى طليعة برنامجها قرار سياسى ــ غير شعبى ــ بإقرار اتفاق طال تعثره مع إسرائيل حول المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز)، تحت لافتة فتح أسواق التصدير فى الولايات المتحدة. وكما فشل الكويز فى أن يولد طفرة تصديرية للولايات المتحدة أو حتى فى تجاوز المنسوجات إلى منتجات أخرى أو توليد وظائف إلخ، تركز المستفيدون منه فى عدد قليل من الشركات، كانت فى الأصل القوة الدافعة لتوقيعه. وبينما قفز حجم الصادرات المصرية مقارنة بالوضع قبل حكومة نظيف، ظل محدودا بالمقارنة بلاعبين اقليميين كتركيا، بالذات إذا نظرنا للفجوة المتزايدة بين ما نستورده وما نصدره. ولا ننسى هنا السياسات الراديكالية لفتح أسواقنا للتجارة العالمية، كمدخل لفتحها أمامنا.

وهاهى الحكومة تعلن قبل أشهر تمسكها بعقيدة التصدير معلنة أنها تستهدف مضاعفة الصادرات المصرية بحلول عام 2013. لكنه هدف، وإن كان محدودا مقارنة بما كانت تعدنا به الفكرة، أصبح صعب المنال.

فحتى قبل الأزمة العالمية، صارت المنافسة التجارية على الكوكب أكثر حدة وقوة. وبينما كان ظهور النماذج الأولى للتنمية عبر النمو الذى يولده التصدير ملهما، صار كل من يلحق بالركب يزيد صعوبة الأمر على المتأخرين. ومع القدرات الإنتاجية الفائضة فى الدول التى تقدمت الركب، وتراجع الأرباح كثيرا، أصبح من المشكوك فيه تحقيق نفس معدلات النمو السابقة.

بالإضافة إلى أن تنمية التصدير اعتمدت دائما على ميزات تنافسية فى صناعات رائدة بعينها، كالسفن فى الحالة الكورية، والخدمات فى الحالة الهندية. ويصعب فى الوقت الحالى ايجاد منفذ كهذا، لأن القطاع الأول المرشح لقيادة موجة تكنولوجية جديدة للنمو التصديرى، وهو النانوتكنولوجى، مازال بعيدا عن ذلك. وهكذا تضاءلت أهمية صافى الصادرات بالنسبة لأغلب الاقتصادات فى العالم، كما يقول شهيد يوسف، مستشار معهد البنك الدولى.

ناهيك عن أن النموذج المصرى لا يقترب فى سماته الأساسية من كل هذه النماذج، التى كانت الدولة فيها لاعبا أساسيا يقود التحول، بالتوازى مع ثورة فى التعليم والبحث العلمى.

ومع الأزمة العالمية، صارت الشكوك حول مستقبل نموذج النمو بالتصدير يقينا. وهكذا خرج علينا التقرير السنوى لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) «العمالة والعولمة والتنمية» فى سبتمبر الماضى ليعلن بالحرف: «موت النموذج التنموى للإنتاج للتصدير» بناء على حيثيات عديدة.

أولى هذه الحيثيات هو أثر الأزمة العالمية على الطلب العالمى لاسيما طلب المستهلك الأمريكى، الذى يمثل رئة الاقتصاد العالمى. وسيؤدى تراجع استهلاك الأمريكيين بحسب الاونكتاد إلى تنافسية هائلة فى الولايات المتحدة وخارجها، تفوز فيها فى الأغلب الدول الأقوى الموجودة بالفعل. لكنها ستؤدى أيضا إلى حمائية تجارية. لكن الأخطر هو أن المساومة التاريخية فى الاقتصاد العالمى، القائمة على الإنتاج الصينى مقابل الاستهلاك الأمريكى بالدين، قد تنهار دون أن تحل قوة طلب تماثل الأمريكيين. «الطلب المحلى الصينى أقل من ثمن نظيره الأمريكى»، تقول المنظمة.

وهكذا فإن الأونكتاد تنصح الدول النامية بترك التنمية عبر التصدير جانبا وتبنى منهج آخر. «مازال النجاح الطويل المدى يعتمد على ما يحدث فى الداخل وليس الخارج»، يقول سوباتشاى بانيتشباكدى، السكرتير العام للأونكتاد، داعيا للتحول من النمو للتصدير إلى النمو لتلبية احتياجات الداخل. «لتحقيق معدلات نمو كبيرة عبر الاستثمار فى الأصول الانتاجية والبنية الأساسية والخدمات (وليس العقارات) يجب أن يكون دور الدولة أكبر ودور الأسواق المالية أقل. هناك حاجة لإيجاد توازن جديد بين اليد الموجهة للدولة واليد الخفية للسوق»، يستنتج قيادى الأونكتاد.

لكن أهم عنصر فى رأى الجميع هو الأجور. فبينما كانت الميزة النسبية فى نموذج التصدير هى دائما رخص الأيدى العاملة، «فلقد ثبت أن الحفاظ على الأجور منخفضة لا يرتبط بخلق وظائف جديدة. لذا يجب أن ننظر إلى الأجور والدخل كمصدر للطلب. وبرفع الأجور مع نمو الإنتاجية سيرتفع الطلب ليقود إلى المزيد من الاستثمار». ولا يخاف سوباتشاى من هروب الاستثمار الأجنبى إذا «وجدت الاستراتيجية الاقتصادية المحلية السليمة والمؤسسات التى تحافظ على الطلب المحلى مستقرا. وإذا آمنت أن أسواق العمل المرنة هى الأفضل فى العالم كما كان الاعتقاد خلال الثلاثين عاما الماضية، فإنه من الطبيعى أن تغيب هذه المؤسسات».

التنمية فى مصر، بحسب دروس المنظمات الدولية فى عصر ما بعد الأزمة رهن برفع الأجور ياسادة، وفى القطاعين الرسمى وغير الرسمى. وحرى بالحكومة، التى طالما استخدمت تطورات السوق العالمى للترويج لسياسات تحرير الأسواق، أن ترحب الآن بحكم القضاء بضرورة تحديد حد أدنى للأجر لا أن تطعن عليه أو تقاومه. هذا إذا كانت التنمية أولويتها حقا، وليس أرباح الكبار.

(4) وأما الأسعار فيحددها السوق

الشروق

29 اكتوبر 2010 

من الطماطم إلى السكن، اللحوم والتعليم، الأحذية والمواصلات. ليس هناك سلعة فى مصر لم تشهد طفرات فى أسعارها فى لحظة ما خلال السنوات الماضية. ولا يمكن أن نقرن بشكل كامل بين ارتفاع الأسعار وبين حكومة نظيف، التى جاءت للحكم فى منتصف 2004.

فقد سبقتها موجات هائلة من الطفرات السعرية، كان أبرزها ما حدث وقت حكومة عاطف عبيد بعد تحرير سعر الجنيه مقابل الدولار فى 2003. لكن الأكيد أن الإجراءات الأوسع نطاقا لتحرير الأسعار وفقا للسوق تمت فى عصر الحكومة الحالية، التى شنت الحرب الأكثر ضرواة واتساعا على ما أسمته الأسعار الإدارية، التى تحددها الحكومة بغض النظر عن السوق.

موقف الحكومة الذى يعلى سعر السوق مبنى على تجربة مريرة للمصريين مع الأسواق السوداء التى خلقت سعرين لأغلب السلع (ومنها الدولار نفسه) مما منح البعض أرباحا هائلة على حساب المستهلكين، وخلق تشوهات سعرية مؤذية لفروع الإنتاج.

وهكذا جاءت الحكومة لتقود أكبر عملية لتحرير الأسعار بحسب السوق، كان أبرز ملامحها فى الزراعة مثلا أن صار تسعير المحاصيل، الذى ينعكس على العديد من السلع الغذائية، يتم وفقا لأسواقها العالمية. هذا هو السعر السليم والكفء اقتصاديا للسلع، بحسب ما أكدته حكومة نظيف.

وتقوم نظرية السوق الكفئة، وهى نظرية مرتبطة بسياسات الليبرالية الجديدة وتحرير الأسواق فى العالم كله، على أن سعر السوق لأى سلعة هو السعر الصحيح لها. وعندما يرغب الناس فى شراء المزيد من التليفزيونات مثلا، ترتفع أسعارها. لكن المنتجين يزيدون الإنتاج فيزيد المعروض فتعود الأسعار للانخفاض عند نقطة توازن جديدة.

وطبقا لهذه النظرية تتحرك الأسعار لأعلى وأسفل لتحافظ على العلاقة بين العرض والطلب فى توازن تام. ويدعى أصحاب هذه النظرية ليس فقط أن هذا الوضع يكفل استقرار الأسواق، لكن أيضا أنه يكفل أفضل ترتيب للأسعار، مما يؤدى للتخصيص المثالى للموارد فى المجتمع.

ولا نحتاج هنا لا لدليل نظرى ولا سياسى ولا عملى لنؤكد أن السوق الكفئة بهذا المعنى غير موجودة فى مصر. إذ أن السوق أبعد ما تكون عن التوازن. وأزمات الأسعار تتلاحق واحدة تلو الأخرى، لتصبح، فى أحيان كثيرة بندا على جدول أعمال اجتماعات مجلس الوزراء، بل واجتماعات رئاسية كما حدثت فى أزمة الطماطم واللحوم الأخيرة.

لماذا لم تعمل السوق فى مصر كما تعدنا الحكومة ونظريتها فى كفاءة التسعير؟ الرد الرسمى هو عادة واحد من اثنين، لا ثالث لهما: الأسعار العالمية أو جشع التجار. والمبرران فيهما بعض الصحة. فارتفاعات الأسعار العالمية للمحاصيل الزراعية عام 2008 بسبب المضاربة واستخدامها فى الوقود الحيوى، ساهم بالفعل (إلى جانب رفع الحكومة أسعار الوقود فى مايو 2008) فى صدمة تضخمية وموجة ارتفاع هائلة فى الأسعار فى السوق المحلية. ولا يمكن إنكار أن بعض التجار الكبار يستغلون الموقف لرفع الأسعار بطريقة غير مبررة خالقين لأنفسهم هوامش ربح كبيرة.

لكن النظرية تقول إن السوق ببعض العون الرقابى من الدولة تعالج هذه الأوضاع: بزيادة الإنتاج المحلى من السلع التى ترتفع أسعارها، فيعود التوازن إليها، أو بالمنافسة من تجار آخرين يرغبون فى مساحة أكبر من السوق فيخفضون الأسعار فيجبرون «الجشعين» على ذلك. وذلك لا يحدث بالتأكيد. بل إن نفس السلع عندما تعاود الانخفاض فى السوق المحلية (الحديد مثل على هذا)، لا تنخفض فى مصر، وإن انخفضت، فى أحيان نادرة، فليس بنفس سرعة الارتفاع ولا بدرجته. ما معنى ذلك؟

قبل سنتين أو ربما أكثر، جمعت إحدى الندوات بين مجموعة من الصحفيين وبين المحافظ السابق للبنك المركزى إسماعيل حسن فى العين السخنة. وكان يتحدث فى محاضرة تعليمية عن السياسة النقدية (كيف يتدخل البنك المركزى فى الأسواق عبر سعر الفائدة للإبقاء على التضخم فى حدود آمنة والحفاظ على توازن السوق وسعر الصرف). وقال المحافظ لنا بشكل قاطع ما لن أنساه، وما أعتقد فى صحته تماما: لا يمكن للسياسة النقدية أن تؤتى مفعولها فى مصر لأن السوق ليست تنافسية وليست كفئة.

فى العديد من القطاعات الإنتاجية، وفى تجارة المحاصيل، وفى الاستيراد، هناك مراكز احتكارية معتبرة، تحصد ثمار الارتفاعات العالمية وتمتلك منع انخفاض الأسعار إذا انخفضت عالميا أو لوفرة الإنتاج المحلى. وهذا هو نفس السبب الذى ُيمكِّن بعض التجار من رفع الأسعار إذا أرادوا فى السلع التى يحتكرونها.

أما السبب الثانى فهو الفشل الإنتاجى المصرى بالعجز عن الاستجابة لتطورات السوق العالمية. فبرغم كل شيء مازلنا نستورد أغلب غذائنا، ولم يظهر نهم المنتجين لتغطية حاجة الأسواق المحلية مدفوعين بارتفاعات الأسعار. وهذا هو السبب فيما تقوله دراسة للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية فى مايو 2010 من أن تغير أسعار السلع عالميا يفسر 43% من تغيرات مؤشر اسعار المستهلكين فى مصر.

وتنقل الدراسة عن البنك الدولى تقديره بأن معدل تمرير أسعار الغذاء العالمية للمصريين يصل إلى ما بين 61% و81%، وهو «معدل يفوق الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء». ومن نافل القول هنا إن الأكثر تأثرا بهذه الموجات من ارتفاعات الأسعار هم الأفقر والأقل دخلا.

ورغم أن الحالة المصرية متطرفة فى كشف فشل السوق فى تحقيق التسعير الكفء للسلع، فإن الفشل ليس محليا. «يجب أن نكون واضحين بهذا الشأن. لم تقدم النظرية الاقتصادية أبدا دليلا على هذه الآراء الخاصة بحرية السوق.

وقوضت نظريات المعلومات غير التامة وغير المتسقة فى الأسواق كل مذاهب السوق الكفئة، حتى من قبل أن تصبح الأخيرة موضة فى عهد ريجان-تاتشر»، هكذا يقول الاقتصادى الأمريكى الحاصل على جازة نوبل جوزيف ستيجليتز فى مقال نشره فى لندن ريفيو أوف بوكس فى أبريل الماضى.

ويبنى ستيجليتز على ما كشفته الأزمة العالمية من فقاعات سعرية فى الأصول المالية والعقارية ليقول إن «اليد الخفية»، التى يعتمد عليها السوق فى تحديد الأسعار هى «يد غير موجودة أصلا». أما اليد التى نعلم يقينا بوجودها فى أسواقنا، فهى يد المحتكرين. وهى يد لن ينحيها عن مصائر عيشنا إلا يد أقوى منها تجبرها على ذلك: يد المستهلكين والدولة التى تمثلهم.

(5) الخصخصة والهوس بشكل الملكية فى الاقتصاد

الشروق

30 أكتوبر 2010

فى تقديمه للجلسة الافتتاحية لمؤتمر المركز المصرى للدراسات الاقتصادية قبل أسبوع تحت عنوان «القطاع الخاص ودوره فى التنمية»، قال طاهر حلمى، رجل الأعمال والرئيس السابق لغرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، إن الخصخصة لم تتوقف فى مصر لأنها فشلت بل لأسباب سياسية ترجع لعدم شعبيتها، محملا الحكومة المسئولية الإعلامية عن عدم شرح كفاءة البرنامج ومدى نجاحه.

ولا يستطيع أحد التشكيك فى مدى إيمان حكومة أحمد نظيف بالخصخصة. ولا ينسى أحد رد وزير الاستثمار السابق محمود محيى الدين على من عارضوا بيع بعض المصانع معتبرين إياها «صروحا تاريخية» بالقول إنه «لا صروح تاريخية سوى الهرم وقناة السويس».

قام هذا على قناعة بأن الخصخصة تحسن مؤشرات الأداء المالى والاقتصادى للشركات بزيادة استثماراتها وفى نفس الوقت تقليل تكلفة رأس المال.

كما أن هذا المنطق يعدنا بأن الخصخصة لها تأثير إيجابى أيضا على الاقتصاد عموما. فهى «تعزز مناخ المنافسة وتخفض حجم وعبء القطاع العام وتجذب الاستثمار الأجنبى المباشر». وفى صلب الفكرتين الاقتناع ــ شبه دينى فى بعض الحالات ــ بأن ملكية القطاع الخاص للمصانع والأصول المنتجة والخدمية يعنى ارتفاع كفاءتها.

على هذا الأساس قادت الحكومة بين 2004 و2009 موجة هائلة للخصخصة بلغت ذروتها من حيث عدد عمليات البيع فى العام المالى 2005/06 بحوالى 65 عملية تجاوزت حصيلتها 15 مليار جنيه (بحسب دراسة للباحث طارق الغمراوى من المركز المصرى). بينما كانت أعلى ذرى الخصخصة فيما قبل سنوات حكم نظيف عام 1999/2000 بأربعين عملية بقيمة حوالى 9 مليارات.

لكن الغمراوى يرصد فى دراسته أن نسبة مجمل حصيلة الخصخصة منذ عام 1994 إلى 2008 لم تتجاوز 0.86% من الناتج المحلى الإجمالى.

ويبنى أنصار الخصخصة على ذلك استنتاجا بأنها لم تحدث تقريبا فى مصر، داعين لإحيائها ليس فقط فى الإنتاج والصناعة بل فى البنية الأساسية والخدمات. لكن عديدا من مؤشرات الخصخصة التى تمت، تلقى بكثير من الشك حول علاقة شكل الملكية (خاص أم عام أم تعاونى)، بالكفاءة الاقتصادية.

أول هذه المؤشرات هو حال ما تبقى من شركات قطاع الأعمال العام. فقد تخلصت هذه الشركات المتبقية من كل ديونها من خلال برنامج مكثف قامت به وزارة الاستثمار لتتم تسوية المديونيات المتعثرة للبنوك من إجمالى 32 مليار جنيه لتصل إلى الصفر.

بينما تحولت المحفظة (147 شركة حاليا) من خسائر قدرها مليار و279 مليون جنيه إلى تحقيق صافى أرباح يبلغ 4.6 مليار جنيه طبقا للنتائج المبدئية للعام المالى 2009/2010 بإيراد نشاط جارى 63.8 مليار جنيه.

أما على صعيد أوضاع العاملين، فقد زادت متوسطات الأجور فى شركات قطاع الأعمال العام منذ يوليو 2004 وحتى يونيو 2010 بنسبة تربو على 100%، بحسب أرقام وزارة الاستثمار.

إذن ما تبقى فى عهدة الدولة ليس كله خسران، إذا قامت بعمليات الاستثمار المطلوبة وإعادة الهيكلة وفرضت درجة من الشفافية والمحاسبة على إدارات الشركات.

وإذا نظرنا إلى شركات عامة مدرجة فى البورصة بعد خصخصة حصص أقلية فيها نجد مجموعة من الشركات الناجحة كالشرقية للدخان ومصر للألومنيوم والقومية للأسمنت.. وغيرها. فمن مزايا الإدراج بالبورصة الافصاح للمجتمع عن أداء الشركة ومؤشراتها.

فماذا عن الشركات التى تم بيع حصص السيطرة فيها للقطاع الخاص؟ تقول دراسات المركز المصرى إنه لم يختلف أداؤها كثيرا قبل وبعد الخصخصة خاصة فيما يتعلق بأهم عناصر تطوير الأداء الاقتصادى الذى قيل إن الدولة غير قادرة عليه لضعف المهارة وغياب الحافز ونقص الموارد: ضخ استثمارات جديدة وتطوير الأداء.

والحقيقة أن هذا يستقيم مع أغلب التجارب الدولية المماثلة، وعلى رأسها المملكة المتحدة. فتحسن الأداء ينبع فى الأساس مما قامت به الدولة أيضا مما يسمى بإعادة الهيكلة. وفى أحيان كثيرة احتفظ القطاع الخاص بنفس الإدارة (بنك الإسكندرية مثال على ذلك).

وبينما ترفض دراسة المركز المصرى طرح حصص الأقلية فى البورصة أو لاتحادات العاملين على أساس أنهما «لا يتضمنان هدف تحقيق الكفاءة الإنتاجية لأنهما لا يشملان نقل الملكية لمستثمرى القطاع الخاص»، فسر محمود محيى الدين، وهو من أطلقت عليه المعارضة وزير الخصخصة، فى حواره مع الأهرام قبل رحيله إلى واشنطن وقف بيع شركات قطاع الأعمال لمستثمر رئيسى، بأن «تجربتنا مع المستثمر الرئيسى تقول إنه حتى إذا كانت الشركة التى آلت إليه تدر أرباحا وعائدا طيبا، فإنه يحرص على زيادة أرباحه من المنشأة سواء عن طريق تقليص حجم العمالة إلى الحد الأدنى، أو وقف بعض خطوط الإنتاج أو التركيز على إنتاج أصناف تدر ربحا أكبر، وكثيرا ما تؤدى هذه السياسات إلى قلق وتوتر اجتماعى داخل المنشأة.»

ثم إن إحدى قواعد تطور الرأسمالية فى الدنيا خلال العقود الماضية هو فصل الملكية عن الإدارة. والسيد نجيب ساويرس مثلا لا يدير العمل اليومى لشركاته بنفسه، وإنما يعين مديرين قادرين، ثم يحاسبهم على أدائهم من خلال الأرباح التى تدخل جيبه. فماذا لو فعلت الدولة «الديمقراطية» أو تعاونية من المنتجين ذلك؟ ما علاقة اسم المالك هنا بكفاءة الاداء الاقتصادى؟

فما السر إذن فى هذا التركيز على شكل الملكية عوضا عن كفاءة الاقتصاد؟ وما السبب فى إصرار القطاع الخاص المصرى على شراء الأصول العامة بدلا من ضخ استثمارات جديدة وتوظيف عمال جدد؟ لماذا لا يتحمل «رواد الأعمال المصريون» المخاطر كما ينص كتاب الرأسمالية فى فصله الأول؟ أليس ملعب الاستثمار مفتوحا بنفس معدل الضرائب ومستويات الأجور ونفس مناخ الاستثمار وقوانينه؟

السبب هو ما توفره الخصخصة من هوامش أرباح جاهزة لصاحب النصيب من المستثمرين وبدون أى مجهود. إذ أن الدولة لا تبيع الأصول الخاسرة أو المتعثرة إلا بعد ترتيب أوضاعها المالية وتحسين إنتاجيتها وتصفية «عمالتها الزائدة» إلى آخره.

حقيقة هذا الهوس بشكل الملكية ليست إلا النهم لنقل الثروة والسلطة فى المجتمع، الذى تنجزه الخصخصة بأشكالها المختلفة، وعلى رأسها تخصيص الأراضى، إلى حفنة من المستثمرين المنتقين. ليس أكثر.

(6) فى البحث عن طريق آخر

الشروق

31 اكتوبر 2010

خلال مؤتمر دولى بالقاهرة أثناء عنفوان الأزمة المالية العالمية فى 2008، سئل رئيس الوزراء أحمد نظيف عن أثر الأزمة على نهج الإصلاح الاقتصادى (التحرير الاقتصادى) فى مصر. وكان رد الوزير الأول أن الأزمة ضربت أناسا فى الدور العاشر من بناء التطور الرأسمالى. «وعندما نصل إلى الدور الخامس ولا السادس نبقى نتكلم عن علاقتنا بالأزمة».

خلاصة ما تستنتجه الحكومة وأنصار برنامجها التحريرى هو أنه بالرغم من المنقلب الذى آلت اليه سياسات تسييد الأسواق على الإنتاج والتجارة والخدمات وغيرها فى العالم، فإننا مستمرون فيه، على الأقل من حيث مبادئه الرئيسية.

ولم تقتصر تبعات أزمة 2008 ـ 2009، التى لم يتجاوزها العالم بعد، على القطاع المالى أو قطاع العقارات. فلقد أطلقت حمى من المراجعات ليس فقط للسياسات وإنما للنظريات التى تقف وراءها. وإذا كتبت الأزمة المالية بالإنجليزية على موقع أمازون، أكبر موقع لبيع الكتب على الإنترنت سيفاجئك عدد الكتب التى تتحدث عناوينها عن انهيار فكرة رشاد السوق وما تستتبعه على مستوى السياسة الاقتصادية. المراجعات تمتد من الرقابة على الأسواق ـ مالية وغير مالية ـ إلى دور الدولة إلى وضع البنوك المركزية وسياسات الأجور..الخ. جدل ونقاش يصل إلى العظم.

فلماذا لا يعنينا حجم الفشل على هذا المستوى، كما كان ما يحدث فى العالم والمؤسسات الاقتصادية الدولية هو مرجع أساسى للحكومة بحيث صار «من يعارض توجهاتها أو يقف فى وجهها خارج التاريخ ويدافع عن توجهات تردنا للوراء…الخ»؟

وأحد المزايا التاريخية للرأسمالية يكمن فى قدرتها اللامتناهية على الحركة بسبب سعيها الدائم للأرباح وتنمية الأرباح. وهى ميزة أوجدت وضعيتها الثورية مقارنة بكل النظم التى سادت المجتمعات البشرية قبلها. ويلاحظ مؤرخون ومفكرون غربيون كبار أنه ليس على أى بلد متخلف يضطر إلى السير وراء بلاد متقدمة أن يتبع بالضرورة نظاما متسلسلا يشابه النظام الذى سارت عليه؛ لأن ميزة وضع متخلف تاريخيا ـ وهذا الوضع قائم ـ يسمح لشعب ما، أو يفرض بالأحرى عليه أن يتبنى الأشياء الجاهزة قبل انقضاء الفترات المحددة، وأن يقفز بذلك عددا من المراحل الوسطية.

وتتخلى الشعوب الهمجية عن القوس والسهام لتستخدم البندقية مباشرة دون أن تضطر إلى قطع المسافة التى فصلت من قبل علميا واجتماعيا وسياسيا بين هذين السلاحين. ولم يأخذ الأوروبيون الذين استعمروا أمريكا التاريخ منذ بدايته. وتوصلت ألمانيا والولايات المتحدة، إلى تجاوز إنكلترا اقتصاديا بعد أن عرف تطورهما الرأسمالى تأخرا ملحوظا.

بالتالى فإن منطق الأدوار لا يسرى على نقل الفكر والتكنولوجيا ونظريات إدارة المجتمعات والبشر، وهكذا فإن مسارات من سبقونا مصدرا لا غنى عنه لإرشادنا إلى حاضرنا.

وأمامنا نماذج سبقتنا، بل وبشكل متطرف، فى تبنى ما نتبعه من سياسات تحرير الأسواق، وأعنى بذلك دولا عديدة فى أمريكا اللاتينية. وأجبرت النتائج الاجتماعية الباهظة، والفشل الاقتصادى الفادح، هذه الدول إلى التحول قبل سنوات إلى نموذج آخر أكثر إنسانية وأقل كلفة على الفقراء. وها هى فنزويلا تتصدر الدول المحققة لأهداف الألفية، وهاهى برازيل لولا داسيلفا تكاد تحاصر الفقر، وفى الوقت نفسه تمتلك قولا رنانا فى إدارة مقاليد التجارة العالمية.

وإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تقابلنا نماذج أخرى، قامت على النمو الاقتصادى، كما يقوم منهج حكومتنا. لكنه على الأقل نمو اقتصادى بلمسة إنسانية لا ينفصم عن التعليم والصحة وعن دور قيادى لدولة كفئة.

الأساطير التى تقدمها لنا سياستنا الاقتصادية على أنها حقائق مطلقة ومرجعية شاملة لا يجوز الطعن فيها صارت الآن كالنبال فى مواجهة البنادق. والمشكلة أن هناك من يسهر على استمرارها بل وتوسيعها لأقصى مدى ممكن حتى وإن عارضت كل منطق. ببساطة لأنها تخدم قاعدة مصالح لا ترغب فى التنازل عن موقعها.

لقد أوجدت تطورات الاقتصاد المصرى فى الست سنوات الماضية قوة سياسية اقتصادية واجتماعية جبارة ومسيطرة. وكما تخبرنا دراسة لمنتدى الدراسات الاقتصادية بعنوان «الاقتصاد السياسى للنمو الاقتصادى فى مصر»، فإن معدلات نمو بعض القطاعات الاقتصادية ارتبطت بشكل مباشر بالعلاقات الشخصية التى تربط شركاتها واصحابها بالسياسيين فى مجلس الوزراء وغيره. ومع بزوغ شمس الشركات الكبرى بلا أحزاب فاعلة، ولا حركات للمستهلكين، ولا انتخابات حرة، تحولت إلى مركز ثقل هائل فى النظام السياسى.

وهكذا فإن تبنى سياسات لمكافحة الفقر مثلا لا تتفق مع سياسات السوق، لم يعد أمرا متعلقا بالسياسة الاقتصادية يتجادل بشأنه الخبراء والمتخصصون إلى هذا الحد أو ذاك. وإنما هو شأن سياسى جوهرى، يحسمه توازن القوى الاجتماعية والسياسية ومصالح المسيطرين منها.

البحث عن طريق آخر لاقتصاد مصر هو إذن أمر غير ممكن إلا عبر السياسة. والاختيار بين البدائل المختلفة التى يطرحها تطور البشر وما آل إليه تطور الرأسمالية، لن يتأتى إلا بنظام يعطى أغلبية المنتجين، أغلبية المصريين، القوة والحق فى إدارة دفة أمورهم لتحقيق مصالحهم. طريق الاقتصاد الآخر الذى يصل بنا جميعا للدور المائة فى بناء التقدم، يتفرع من درب الديمقراطية، الذى يبدأ بالانتخابات الحرة حقا.

هل تفشل الثورات دائما؟

جون مولينو

ترجمة: وائل جمال

الناشر: وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

 المقال باللغة الإنجليزية منشور بمجلة “الاشتراكي” الشهرية البريطانية – عدد أبريل 2014

إن حالة العالم، بما فيه من تغير مناخي وفقر وحروب وعنصرية وغير ذلك الكثير، في وضع لا يجعل من السهل على حكامنا أن يقنعوا الناس بأن كل شيء على ما يرام. لكنهم لا يحتاجون لهذا. كل ما يحتاجونه هو أن يقنعوا الناس بأنه لا يمكنهم فعل شيء حيال هذا. هذا هو السبب أنه دائما عندما يتعلق الأمر بتبرير الرأسمالية وعدم المساواة والحرب كانت تعويذة “لكنك لا تستطيع أن تغير الطبيعة البشرية” ذات شعبية عند المتنفذين فيتم التطبيل بها في رؤوس الناس العاديين. استمر في القراءة

عرض ورقة بعنوان: “العدالة الاجتماعية والثورات العربية.. إشكاليات المفهوم والسياسات” من مؤتمر “العدالة الاجتماعية.. المفهوم والسياسات بعد الثورات العربية”

مؤتمر “العدالة الاجتماعية.. المفهوم والسياسات بعد الثورات العربية”
منتدى البدائل العربي للدراسات ـ مؤسسة روزا لوكسمبورغ
القاهرة – الأحد والاثنين 18 و19 مايو 2014
اليوم الأول 18 مايو
الجلسة الأولى (العدالة الاجتماعية.. إشكاليات المفهوم والتطبيق بعد الثورات العربية)
رئيسة الجلسة: د. هبة رؤوف عزت (مصر)

المتحدثان: أ/ وائل جمال (مصر) — د. مها يحيى (لبنان)

الحرية مجرد كلمة أخرى

وائل جمال

الأهالي

2008

هل تعاني من ارتفاع الأسعار؟ هل انخفض راتبك أو لم يعد قادرا على شراء احتياجاتك؟ هل استغنى عنك صاحب العمل بعد أن انهارت شركته، أو تداعي مصنعه أمام المنافسة الدولية والمحلية مع الكبار؟ أو خرجت على المعاش المبكر بعد بيع المصنع للمستثمر الخاص؟ هذا هو الثمن الذي يقول أنصار ما يسمى بالليبرالية الجديدة، مذهب حرية السوق، الذي انتشر في سنوات قليلة ليسيطر على برامج حكومات العالم بأسره، إنه ضروري من أجل حريتك الفردية! لكن كيف ظهرت الليبرالية الجديدة؟ وكيف انتشرت في العالم كله لتصبح جزءا من المنطق العام للأمور؟ ولماذا تتناقض، وهي التي تدافع عن حرية الأفراد مع حرية مئات الملايين في الحصول على حياة أفضل؟ الإجابة يقدمها الاقتصادي البريطاني المرموق ديفيد هارفي أستاذ الأنثربولوجي بجامعة سيتي في نيويورك من خلال كتابه “التاريخ المختصر لليبرالية الجديدة”، والذي صدر مؤخرا في طبعته الشعبية في بريطانيا.

لم يعد من شك، وليس فقط من خلال الجدل الإيديولوجي، أن سياسات الليبرالية الجديدة، بما تحث عليه من فتح للأسواق وانسحاب للدولة من الساحة الاقتصادية الاجتماعية وإعطاء الأولوية للاستثمار العالمي والمحلي، قد أنتجت عالما زاد فيه التفاوت في الدخول بشكل تاريخي. وتؤكد دراسات أكاديمية مبنية على بحوث مسحية على اقتران البرنامج الليبرالي الجديد بعملية فرز طبقي عميقة. في الولايات المتحدة مثلا، قفز نصيب أغنى واحد في المائة من السكان من الدخل القومي من ثمانية في المائة مع نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خمسة عشر في المائة حاليا وهو في ازدياد مستمر. هذا بينما ارتفع متوسط دخل كبار موظفي الشركات من ثلاثين ضعف دخل العامل العادي إلى خمسمائة ضعف في نفس الفترة. وهذه ليست ظاهرة أمريكية إنما يمكن تعميمها عالميا، وحتى في مصر التي صار كبار رجال الأعمال يحصدون ثمار نموها الاقتصادي تاركين لعمالها وفقرائها التضخم والبطالة وانهيار الخدمات.

استمر في القراءة

بديل التقشف في التعامل مع عجز الموازنة – من برنامج خالد علي في انتخابات ٢٠١٢

krauzechair

موازنة عامة تخدم الفقراء وأهداف التنمية

أولا انحيازات جديدة

ليست الموازنة العامة للدولة مجرد بيان لموارد الدولة المالية ونفقاتها وأوجه هذه النفقات يقوم بها محاسبون متخصصون عبر إدراج هذه الأرقام هنا أو هناك، ولكنها تعبير واضح عن أولويات النظام الحاكم ولأي جهة أو فئة أو طبقة اجتماعية ينحاز هذا النظام والقائمون على إدارته. ويمكن معرفة أولويات وانحيازات الدولة من خلال القراءة الدقيقة للمصادر التي تعتمد عليها في تحصيل إيرادات الموازنة وزيادتها ومقارنة ذلك بأوجه الانفاق التي تحددها في موازنتها لاستخدام هذه الإيرادات. ومن هنا تأتي ضرورة الإجابة على أسئلة مثل: على من تفرض الدولة الضرائب؟ وبأي نسب؟ وما يتم تحصيله منها وما لا يتم تحصيله؟ وما هي السياسات المحددة التي تستخدمها الدولة في زيادة مواردها المالية؟ وفي أي مجالات تنفق إيراداتها؟ وكيف يتم توزيع هذه النفقات، ونصيب كل بند من بنود الإنفاق مقارنة ببنود أخرى؟

وستكون الموازنة الأولى للرئيس الجديد نقطة تحول عن السياسات القديمة بإعطاء الأولوية للفقراء وملايين المنتجين واحتياجات التنمية بدلا من أجهزة القمع ومصالح الشركات الكبرى وأولويات أرباحها.

ثانيا: لماذا تعاني الموازنة العامة عجزا مزمنا؟

بلغت تقديرات الإنفاق العام (أو استخدامات الموازنة العامة) في موازنة عام 2011/2012 حوالي 490 مليار جنيه، منها حوالي 99 مليار جنيه تنفق على خدمة الديون المحلية والأجنبية. وتقصر الإيرادات العامة عن تغطية هذا الإنفاق، مما يترتب عليه عجز يقدر بحوالي 134 مليار جنيه، يتم تغطيته من خلال الاقتراض سواء من الداخل أو الخارج.

وترفض الحكومات التي تتعاقب على مصر حتى الآن مطالب الموظفين والمدرسين والأطباء والعمال في مرافق الدولة بزيادة الأجور إلى مستوى إنساني، وترفض تطبيق حكم المحكمة في الحد الأدنى للأجور، مدعية أن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة. ورغم رفضها ذلك يزداد عجز الموازنة باستمرار. والحقيقة أن عجز الموازنة لا يرجع إلى دعم السلع الأساسية التي تقدم للفقراء والإنفاق على التعليم والصحة والخدمات، وهو ما يمكن الكشف عن زيفه من مراجعة بسيطة لحجم الإنفاق على هذه المجالات ومقارنته بالسنوات السابقة وبدول أخرى، وإنما يرجع عجز الموازنة إلى الدعم الذي يستفيد منه الأثرياء، وانحياز النظام الضريبي لهم بوضع العبء الأكبر على العاملين بأجر وجمهور المستهلكين من الفقراء بالضرائب غير المباشرة، وهو ما يعوق تنمية موارد الدولة. علاوة على تفريط الدولة في الأموال والأصول العامة التي كان يمكن أن تؤدي إلى زيادة مواردها المالية ومقابلة التزاماتها دون أن يترتب على ذلك عجزا في الموازنة. والمشكلة التي تقع على عاتقنا الآن بعد ثورة 25 يناير تتمثل في توفير الوسائل والإجراءات التي تكفل زيادة الإنفاق العام على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وزيادة أجور العاملين بمختلف أجهزة الدولة ووزاراتها، وكذلك توفير الأموال اللازمة لزيادة الاستثمارات العامة وتحقيق أهداف التنمية دون أن يترتب على ذلك تعميق مشكلة العجز في الموازنة بل في إطار معالجة أسبابه الهيكلية للتعامل مع مشكلة الديون العامة الخارجية والداخلية في الوقت ذاته. ولن يتحقق ذلك إلا بمعالجة الخلل في جانبي الإيرادات العامة والإنفاق العام مع وضع سياسات حاسمة لمواجهة أزمة الديون الخارجية والداخلية كما تقتضي ثورة ضحى آلاف الشباب بأرواحهم فيها ومن أجلها.

أ‌) المشكلة في جانب الإيرادات:

وضع النظام في عهد رئيسه المخلوع حسني مبارك سياسة مالية تنحاز للأغنياء وملاك المصانع ورأس المال على حساب الأغلبية العظمى من أبناء الشعب المصري من العمال والفلاحين وصغار الموظفين وفقراء المدن ممن يعيشون في أحياء تفتقر إلى أبسط الخدمات وأبسط شروط الحياة الآدمية.

ظهر ذلك في انحياز سياسة الضرائب والإنفاق انحيازا واضحا وصارخا لصالح رجال الأعمال والأغنياء وأصحاب الدخول الفلكية من كبار الموظفين، واتخذ طابعا قانونيا منظما عندما أقرت حكومة نظيف في عام 2004 قانونا ينخفض بالحد الأعلى للضرائب على الدخل بنسبة 50% دفعة واحدة ليصل أقصى ما يدفعه أصحاب الدخول المليونية إلى 20% من الدخل في صورة ضرائب بعد سلسلة من الإعفاءات التي يستمتعون بها، وهو نفس مستوى الضريبة التي يلتزم بسدادها من يحصلون على دخول متوسطة، ويضطر لسداد ضرائب على الدخل كل من يزيد دخله الشهرى عن 900 جنيه.

نفس الأمر حدث فيما يتعلق بالضرائب الجمركية التي انخفضت انخفاضا كبيرا بحجة تحرير السوق واتفاقيات التجارة العالمية حتى بالنسبة للواردات من سلع مستفزة لا يستفيد منها إلا الأغنياء وتمثل عبئا على موارد الدولة من العملة الأجنبية ومواردها من أموال كان يمكن توجيهها نحو الاستثمار وتعظيم قدرات البلاد الإنتاجية وتوفير فرص عمل للعاطلين لو تم استثمارها داخل مصر بدلا من الاستهلاك الترفي لأصحاب الثروات الضخمة.

من ناحية أخرى، تعمدت الدولة تعظيم مواردها المالية عن طريق الضرائب غير المباشرة، مثل ضرائب المبيعات، التي يتحملها المواطنون – وأغلبهم من الفقراء – من أجل تعويض النقص في الموارد الضريبية من الأغنياء، حيث تحصل الدولة 16% فقط من جملة الضرائب من الشركات الخاصة والعامة ذات النشاط التجاري والصناعي. ويعنى ذلك أن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة يتم تحصيله من الطبقات الفقيرة وأصحاب الدخول المحدودة، إلى جانب هيئتي البترول وقناة السويس.

من ناحية أخرى، وفي إطار برنامج الخصخصة وما أطلق عليه منظرو نظام المخلوع “عملية الإصلاح الاقتصادي”، قامت الدولة ببيع العديد من الأصول والشركات، التي كان يمكن حال تطويرها وتحديثها أن تدر عائدا على الدولة يجعلها قادرة على تنمية المدخرات المحلية وتنشيط الاستثمار بما يوفر مزيدا من فرص العمل للعاطلين ويعظم من حجم الاقتصاد المصري وقدراته الإنتاجية.

سياسات وإجراءات لمعالجة نقص الإيرادات:

  1. فرض ضرائب تصاعدية على الدخل بجميع صوره بشرائح يصل حدها الأعلى في المرحلة الأولى إلى 35% (نفس المعدل في الولايات المتحدة وأقل 10% من المعدل الصيني) مع رفع حد الإعفاء إلى 20 ألف جنيه سنويا، بدلا من حد الإعفاء الحالي الذي يبلغ 9 آلاف جنيه سنويا. (يضيف هذا التعديل حوالى 10 مليار جنيه للموازنة سنوياً)
  2. فرض ضريبة عقارية تصاعدية يلتزم بها ملاك الوحدات السكنية والأراضي والعقارات التجارية والصناعية على أن يكون حد الإعفاء من الضريبة وحدة عقارية لا تتجاوز قيمتها السوقية مليون جنيه. (تضيف حوالى 3 مليار جنيه للموازنة سنوياً)
  3. فرض ضريبة مرة واحدة على الثروة بنسبة 10% لمن تتعدى ثروته 50 مليون جنيه (طبقاً لاقتراح أحد كبار رجال الأعمال المصريين)
  4. زيادة الضرائب الجمركية على الواردات من السلع الكمالية والترفيهية.
  5. فرض ضريبة بيئية على الصناعات الملوثة وعلى رأسها الأسمنت والسيراميك.
  6. زيادة رسوم التراخيص على السيارات الخاصة وفق شرائح تصاعدية حسب نوع السيارة وسعة المحرك.
  7. تقليص الضرائب غير المباشرة (مثل الضريبة على المبيعات).
  8. تشديد الرقابة على تعاملات البورصة وعلى التحويلات المصرفية، لمحاصرة عمليات غسيل الأموال وإخفاء الأرباح والتهرب الضريبي وتهريب الأموال خارج البلاد.
  9. تحويل أموال الصناديق الخاصة إلى الموازنة العامة للدولة.
  10. دمج موازنات الهيئات الاقتصادية في الموازنة العامة للدولة إنفاقا وإيرادا.
  11. تنفيذ الأحكام القضائية التى تصدر باستراداد الشركات التي سبق خصخصتها في صفقات فاسدة أو تعمد الملاك الجدد إيقاف نشاطها أو أخلوا بحقوق عمالها، مع ضخ استثمارات جديدة فيها.
  12. فرض ضرائب جديدة على المحاجر والمناجم مع تعديل عقود استخراج وبيع النفط والغاز والتنقيب عنهما بما يكفل زيادة إيرادات الموازنة العامة وتحقيق مصلحة البلاد والحفاظ على الثروة الناضبة للأجيال القادمة. (تعديل عقود بيع الغاز فقط يمكن أن توفر حوالى 13 مليار جنيه)
  13. فرض ضريبة متغيرة – تتراوح بين 5% إلى 15% – على الأرباح الرأسمالية فى البورصة وفى الأنشطة العقارية. تبدأ الضريبة بالشريحة الأكبر (15%) فى حالة البيع بعد الشراء بأقل من شهر، وتقل نسبة الضريبة كلما زادت المدة بين عمليتى الشراء والبيع. وذلك لمحاصرة عمليات المضاربة والأموال الساخنة.
  14. مكافحة التهرب الضريبي وتشديد العقوبات على المتهربين مع تحسين أداء الأجهزة الحكومية المسئولة عن تحصيل الضرائب والجمارك بما يضمن الكفاءة والسرعة والقضاء على الفساد.

ب‌) المشكلة في جانب الإنفاق:

نفس الانحياز والأولويات التي تبناها النظام السابق (المستمر) فيما يتعلق بمعالجة جانب الإيرادات في الموازنة العامة، وجدت تعبيرا واضحا عنها في سياسة التصرف في هذه الأموال واستخدامها. وتعاني الموازنة من فوضى إنفاق لا يعتمد على منطق سليم أو عدالة، ولا تستهدف حماية الفقراء رغم كل اللغو الذي يتحدثون عنه في بنود مثل الدعم وزيادة الأجور والرواتب.

وحتى يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع إيرادات الدولة، ينبغي إعادة هيكلة الإنفاق العام ومراجعته مراجعة شاملة، وإعادة هيكلة الأجور والمزايا من أجل تحقيق العدالة بين العاملين في جهاز الدولة وشركاتها ومرافقها المختلفة. ويجب إلغاء الدعم الذي توجهه الدولة للأغنياء ورجال الأعمال، مثل دعم الصادرات ودعم الطاقة الذى تحصل عليه الفنادق الفاخرة والسيارات الفارهة. فلا يعقل أن يخصص بلد، يعاني عجزا في الموازنة وأكثر من 40% من أبنائه يعيشون تحت خط الفقر، دعما من الأموال العامة لصالح حفنة من الأثرياء.

وبينما يتم التخلص من هذه الأعباء الظالمة اجتماعياً، سيعاد توجيه أولويات الإنفاق العام للاحتياجات التنموية الأساسية، والتي تتمثل في ضرورة زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي من أجل تحسين مستوى التنمية البشرية والارتقاء بتعليم المصريين وكفاءتهم وأوضاعهم الصحية التي تدهورت تدهورا شديدا بعد انخفاض الإنفاق على هذه الخدمات إلى أقل المستويات بين دول العالم النامي.

سياسات وإجراءات معالجة أزمة انحيازات الانفاق العام:

  1. مراجعة سياسة الإنفاق العام مراجعة شاملة في ضوء أولويات ومطالب ثورة 25 يناير بما يكفل انحياز الموازنة للقطاعات الفقيرة من مجتمعنا في صورة زيادة الأجور والمعاشات وصرف إعانات البطالة للعاطلين.
  2. إعادة تبويب وهيكلة الموازنة العامة بما يوفر قدرا أكبر من الشفافية والوضوح لإعمال الرقابة البرلمانية والشعبية عليها.
  3. توحيد سياسات الأجور والمزايا والحوافز في جميع الأجهزة والإدارات الحكومية وكذلك الهيئات الاقتصادية والوزارات لتحقيق مبدأ العدالة بين العاملين في مختلف أجهزة وإدارات الدولة.
  4. اعتماد سياسة الحد الأدنى والأقصى للأجور بحيث لا يقل الحد الأدنى عن 1500 جنيه شهريا في الحكومة والقطاعين العام والخاص، ولا يزيد الحد الأقصى في الحكومة والقطاع العام عن 30 ألف جنيه شهريا (20 مثل الحد الأدنى).
  5. ترشيد الإنفاق الإداري في أجهزة ومرافق الدولة مثل السيارات الخاصة والدعاية والإعلان والحفلات والمؤتمرات والهدايا وبدلات السفر وما شابه.
  6. الإبقاء على نظام الدعم العيني على السلع الأساسية والقضاء على كل الحلقات الوسيطة التي يتسرب من خلالها الدعم إلى مجموعة من الوسطاء ولا يصل إلى المستهدف الحقيقي منه.
  7. إلغاء دعم الطاقة الموجه للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة مع تشديد الرقابة على الأسواق لمنع تحميل المستهلكين المحليين تكاليف القرار الذي لن يخفض – فى الواقع – هوامش أرباح هذه الشركات عن المتوسطات العالمية والإقليمية. (يوفر هذا الإجراء حوالى 10 مليار جنيه سنوياً).
  8. الإسراع بمعدل التحول للغاز الطبيعي بالمنازل وفي الصناعة، لتوفير الهدر والفساد في أنظمة دعم البوتاجاز والمازوت والسولار.
  9. زيادة الدعم المخصص للغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية الأخرى للمواطنين.
  10. زيادة مخصصات التعليم والصحة وإسكان الفقراء. حيث سيتم توجيه هذه المخصصات إلى تحسين أجور العاملين في مجال التعليم والصحة، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة، وإلى توسع الدولة في بناء المدارس والجامعات والوحدات الصحية والمستشفيات، لتخفيض الكثافات وتوفير خدمات أفضل للمواطنين.
  11. زيادة الإنفاق على البحث العلمي الموجه إلى تطوير الصناعة والزراعة وتحسين الأوضاع البيئية.
  12. توسع الدولة في دعم الفلاحين، من خلال منظماتهم التعاونية، لاستصلاح الأراضى وزراعة المحاصيل الاستراتيجية الهامة لتحقيق الاكتفاء الذاتي منها، حتى لا تظل مصر رهينة لتقلبات الأسعار العالمية للقمح والسكر والزيوت والألبان وغيرها ولأطماع حفنة المستوردين الذين يحتكرون استيراد هذه السلع ويتحكمون في أسواقها.
  13. اخضاع ميزانية النفقات العسكرية للرقابة البرلمانية تحت مبدأ أن الجيش ملك للشعب.

ثالثا: مشكلة الديون:

بسبب سياسات نظام مبارك المنحازة للقلة المستفيدة الفاسدة، تفاقمت أزمة الديون العامة حتى تجاوزت حد الأمان، وأصبحت تلتهم في الوقت الحالي ربع الموازنة العامة للدولة تقريبا. ووفقا للأرقام الرسمية بلغت جملة هذه الديون 1040 مليار جنيه بما يعادل 76% من إجمالي الناتج المحلي، وهو مستوى يضعف قدرة البلاد على توفير المدخرات اللازمة لتمويل برامج التنمية الاقتصادية والبشرية، ويستنزف ثروة البلاد لصالح الدائنين من مؤسسات مالية محلية وأجنبية.

ورغم تحفظ حكومات الرئيس المخلوع فيما يتعلق بالديون الخارجية في السنوات الأخيرة، توسعت هذه الحكومات في الاستدانة من الداخل عبر إصدار سندات خزانة تقوم البنوك العاملة داخل مصر بشرائها، حتى تحولت البنوك عن تمويل النشاط الاقتصادي الإنتاجي الذي يوفر فرصا للعمل ويدر عائدا ويوفر منتجا يرفع معدلات النمو الاقتصادي، إلى مجرد مقرض للحكومة يستفيد من الفارق بين الفائدة على الودائع وبين الفائدة على القروض التي يقدمها للحكومة دون أي نشاط إنتاجي يذكر. بل وتقوم هذه البنوك أحيانا بالاقتراض من الخارج بأسعار فائدة رخيصة وتعيد إقراض هذه الأموال للخزانة العامة بفائدة مرتفعة، وهكذا تنمو أرباح المرابين في الداخل والخارج وتزداد أعباء خدمة الديون على موازنة الدولة دون أي عائد يذكر على النشاط الاقتصادي وقدرات البلاد الإنتاجية.

سياساتنا لمواجهة أزمة الديون:

  1. استغلال توصيات البرلمان الأوروبي في مايو 2011 بوقف سداد الديون الخارجية مع وقف احتساب الفوائد والتفاوض مع الدول المعنية بهذا الشأن لحين استقرار وضع احتياطي النقد الأجنبي.
  2. البناء على تجارب الإكوادور ودول أخرى في اسقاط الديون الكريهة، التي حصل عليها نظام الديكتاتور بعلم الجهات المانحة بفساده وعدم تمثيله للمصريين، بتأسيس لجنة قومية مستقلة لمراجعة الديون الخارجية، تمتلك كافة الصلاحيات لفرز محفظة الديون لتحديد الديون الكريهة التي استخدمت في شراء أجهزة القمع الداخلي والتدريب عليها، أو تم استخدامها في غير الأغراض المخصصة لها، تمهيدا للمطالبة بإسقاطها. إذ لماذا يتحمل المصريون الفقراء عبء دين استخدم في قمعهم وسرقتهم، ولم يشاركوا في اتخاذ قرار بشأنه.
  3. وقف الاقتراض من الخارج لتمويل عجز الموازنة وقصر الاقتراض على تمويل الاستثمار في مشروعات تدر عائدا.
  4. فرض رقابة شعبية واسعة على عمليات الاقتراض الجديدة، حتى المحلية منها، والتي قد تكون ضرورية في حدود، لإنجاز خطط التنمية وتحفيز الأسواق وخلق التشغيل، لضمان توافقها مع أولويات أغلبية المواطنين والتحقق من شروطها وتحجيم الفساد.

 

 

البلد ليس شركة كبيرة

بول كروجمان 

krugman_postcard

في هذه الدراسة التي ترجمتها هدى يوسف وأصدرها منتدى البدائل العربي للدراسات يحلل المفكر الاقتصادي الأمريكي بول كروجمان الفارق الذي يراه كبيرا وأساسيا بين منطق إدارة السياسة الاقتصادية الحكومية وبين منطق إدارة الشركة.

رابط الدراسة: البلد ليس شركة كبيرة

المراجعات الاقتصادية الكبرى.. الاختراع الاقتصادي الأخطر في القرن العشرين: الناتج المحلي الاجمالي

وائل جمال

2 يونيه 2014

أصوات مصرية

في قلب الأزمة الاقتصادية اليونانية، التي هددت حقا البلاد بالافلاس، حولت سلطات الإدعاء رئيس الجهاز الإحصائي الرسمي في البلاد آندرياس جيورجيو للمحاكمة في مطلع عام 2013 وتم فتح تحقيق برلماني. أما التهمة فكانت أنه عدل نسبة عجز الموازنة من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن أعلن أن حسابات الناتج المحلي الإجمالي لليونان كان مضخمة ومبالغ فيها بأكثر من قيمتها بالربع على الأقل. قال جيورجيو، الوافد من صندوق النقد، إن مهمته كانت فقط تطبيق المعايير الأوروبية في تقدير وضع الاقتصاد، واتهمته السلطات اليونانية بأنه قدم بيانات تقلل من وضع الاقتصاد وزادت من الضغوط التي يقوم بها صندوق النقد والمؤسسات المالية على البلاد مما عرض “المصلحة الوطنية للخطر”.

استمر في القراءة