عن ذلك الشق بين البحرين

وائل جمال

الشروق

13 مايو 2013

 (1)

«الرحلة تطمح إلى أن تشق قناة فى صحراء تعبر آلاف الأميال من أجل وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، فتصير أوروبا بذلك جارة للهند وقد تقلصت المسافة إليها….هو ذا العمل الذى يريد الأب بروسبير آنفانتان أن ينفذه مع رجال عظيمى القدر، وإن كانوا شحيحى الموارد المالية».

Continue reading

النادى الأهلى والتعاونيات والثورة

وائل جمال

الشروق

6 مايو 2013

يكاد يكون المنطق الأساسى لتبرير أى إجراء اقتصادى فى مصر يقدمه حكام مابعد الثورة هو أنه لا وجود لبديل آخر. يسرى ذلك بداية بقرض الصندوق، إلى تقليص الدعم بحجة إصلاحه، إلى زيادة الضرائب غير المباشرة على الفقراء تحت مسمى توسيع قاعدة الضريبة، وحتى التصالح مع حسين سالم. وغالبا ما يقترن منطق «لابديل» بفكرة أن الإجراء هو الخيار «العلمى التقنى» (فى تلميح أن أى سياسة أخرى ليست كذلك وإنما مسيسة)، وأن التأخير فى قبوله معناه إفلاس مصر أو مجاعة بسبب عدم القدرة على شراء القمح..إلخ.

 

لكن التعاونيات كبديل اقتصادى تحظى باتفاق كبير على أنها إحدى البدائل الاقتصادية المهمة للسياسة السابقة على الثورة. وهاهى المادة 23 من الدستور الجديد تنص على أنه «ترعى الدولة التعاونيات بكل صورها، وتدعمها، وتكفل استقلالها»، ثم تضيف المادة 52 ما نصه: «حرية إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات مكفولة، وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتقوم على أساس ديمقراطى، وتمارس نشاطها بحرية، وتشارك فى خدمة المجتمع وفى رفع مستوى الكفاية بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم. ولا يجوز للسلطات حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائى. ثم يجيء ذكر التعاونيات مرة ثالثة فى الدستور، الذى حظى بدعم كامل من الرئيس مرسى والحزب الحاكم، فى المادة 67 التى خصت الإسكان: «وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان؛ تقوم على العدالة الاجتماعية، وتشجيع المبادرات الذاتية والتعاونيات الإسكانية، وتنظيم استخدام أراضى الدولة لأغراض العمران؛ بما يحقق الصالح العام، ويحافظ على حقوق الأجيال.»

 

من حاولوا تأسيس تعاونيات جديدة فى الشهور الماضية لم يجدوا هذا الاهتمام والتشجيع الدستوريين من مسئولى ووزراء نفس الحزب الإخوانى الحاكم. يقول مؤسسو 4 جمعيات تعاونية استهلاكية جديدة فى الإسكندرية وبورسعيد والجيزة (سيدى بشر-العصافرة، برج العرب، العمرانية، الزهور) فى بيان صدر فى 22 أبريل الماضى إن التعاونيات تتعرض لتعسف بيروقراطى يحول دون تأسيسها.

 

●●●

 

حلم عمر بك لطفى

 

«حلمك ياعمر لطفى حقيقة واسم الأهلى مالى الكون»، هكذا تقول إحدى دخلات ألتراس النادى الأهلى مشيرة إلى صاحب فكرة تأسيس النادى عمر بك لطفى، القاضى والمحامى والمناضل الوطنى رفيق مصطفى كامل ومحمد فريد فى الحزب الوطنى. لكن حلم عمر لطفى لم يتوقف عن أعرق النوادى المصرية الذى كان الهدف من تأسيسه أن يجمع رياضيا طلبة نادى المدارس العليا (كليات ذلك الوقت) المهتمين بالسياسة كجزء من إعدادهم للبحث عن حرية مصر من الاستعمار. لكن عمر لطفى كان يمتلك حلما آخر: النقابات التعاونية. لطفى هو أبو التعاونيات فى مصر، وهو مؤسس أول شركة تعاونية مصرية هى شركة التعاون المالى التجارية بالقاهرة في30 ديسمبر سنة 1909، وأول جمعية تعاون زراعية (وكانت تسمى نقابة زراعية) فى أبريل سنة 1910 بشبرا النملة مركز طنطا (كان ثانى كتب المؤرخ الكبير وعضو الحزب الوطنى الذى شارك فى بناء الحركة التعاونية المصرية عبدالرحمن الرافعى فى عام 1914بعنوان نقابات التعاون الزراعية). كان يُنظر للتعاونيات هى والنقابات العمالية، التى كان ُيبشر بها فى مدارس الصنايعية التى أنشأها الحزب الوطنى (الذى كان يستحق الصفة)، كسبيل للتحرر سياسيا واقتصاديا.

 

وفى نهاية عام 2011، قال الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إن أعضاء الجمعيات التعاونية الزراعية خلال عام 2009/2010 وصل إلى 5.1 مليون عضو فى 5729 جمعية. بينما يقول تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة فى 2003 إن عدد التعاونيات الاستهلاكية المصرية وصل إلى 4320 تضم 4 مليون عضو، والتعاونيات الإنتاجية 487 تضم 58 ألف عضو، وتعاونيات الإسكان 1737 تضم نحو 2 مليون عضو إلى جانب تعاونيات أخرى فى الصيد.

 

لكن هذا الجسم الضخم، المهمل تماما فى السياسة الاقتصادية، يختلف كثيرا عما كان يحلم به عمر لطفى، وعن التعاونيات التى تنتشر عالميا كوسيلة مقاومة للسياسات المعادية للفقراء. فقد تلبسته أولا أجهزة الدولة بحيث سيطرت عليه ومدت بيروقراطيتها لقيادته برغم توسعها فى عهود الناصرية بحيث تحول إلى ممثل الدولة الذى يقدم خدمات للفلاحين عوضا عن أن يكون تنظيما فلاحيا ديمقراطيا يمثلهم وينظم إنتاجهم. ويخضع كل اتحاد تعاونى لإشراف سيطرة وزارة أو وزارات معينة تحجم من إرادة أعضائه. ثم جاءت عهود التكيف الهيكلى والليبرالية الجديدة منذ بداية التسعينيات لتوجه ضربة أخرى لهذا الجسد الضخم الضعيف. يقول محمد عبدالعال فى دراسة بعنوان «الاستجابات الريفية للعولمة فى مصر»، صادرة فى يوليو 2007 إن «التعاونيات وأعضاءها كانوا هدفا ضربته عملية تحرير القطاع الزراعى فى مصر فى إطار سياسات التكيف الهيكلى».

 

وتستمر هذه السياسة، خاصة لو كان الغرض من التعاونية الجديدة هو تحدى أوضاع الاحتكار وخلق نموذج اقتصادى جديد. فى حالة الجمعيات الأربع الجديدة التى تحاول الحصول على التراخيص: مكافحة الغلاء. يقول الأستاذ رضا عيسى الاقتصادى وأحد مؤسسى مبادرات التعاونيات بالإسكندرية إن الإجراءات تتضمن عقد إيجار لمدة 9 سنوات فى حالات و7 فى حالات أخرى، و20 ألف جنيه حدا أدنى لرأس المال، ودراسة جدوى اقتصادية، و200 مؤسسا بدلا من 10 كما ينص القانون 109 لسنة 1975، بالإضافة لمعاينة الأجهزة المعنية للمكان. كما أن الجهة الإدارية (فى حالتهم هى وزارة التموين التى يرأسها الوزير الإخوانى باسم عودة)، ترد على طلب التأسيس خلال 60 يوما بحكم القانون. ويضيف عيسى أن الستين يوما تمتد وتمتد بحكم هذه الإجراءات التعسفية التى يطالب بإلغائها فورا.

 

●●●

 

التعاونية ليست شركة

 

يقارن رضا عيسى تأسيس التعاونية بتأسيس الشركات. وبحسب تقرير تيسير الأعمال الذى تصدره مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولى فإن مصر تحتل المرتبة 26 عالميا من حيث سهولة إجراءات تأسيس الشركات بعدد إجراءات يصل إلى 6 فى مدة 7 أيام فقط. ولقد كان ذلك دائما إنجازا يتباهى به نظام مبارك فى نسخته النظيفية.

 

أما التعاونيات، التى توفر 100 مليون وظيفة عالميا، وتخدم مليار عضو بطول الأرض وعرضها، فلا يتم معاملتها بنفس الشكل. يربط محمد عبدالعال فى دراسته بين التعاونيات وبين مكافحة الفقر وخلق الوظائف الجديدة، وتمكين المهمشين. كما أن التعاونيات حل مباشر وممتاز لتجزؤ الملكيات الزراعية الذى يحجم إنتاجيتها، فى مواجهة مباشرة مع حل التجميع فى يد الرأسمال الكبير الذى نفذه وينفذه حكام مصر. لكن لا الحجم الهائل الموجود بالفعل ولا الإمكانات التى تطرحها تشفع لها عند الدولة ومن تخدمهم.

 

وربما يكون السبب الأساسى فى هذا هو المعضلة المباشرة التى تقدمها التعاونيات للنسق السياسى الذى يحكم السياسة الاقتصادية. هذا النسق الفكرى يقدم الاقتصاد على أنه تعارض بين ملكية الدولة وبين الملكية الخاصة، طبعا مع التأكيد على فعالية الأخيرة وكفاءتها وأنها المخرج الوحيد للاقتصاد من أزمته. لكن التعاونية الديمقراطية المنتجة فى الحقيقة لا يمكن وصفها كوحدة إنتاجية أو خدمية على أنها ملكية للدولة وبالتالى تخرج عن هذا التصنيف المعلب. فى الوقت نفسه هى تحدٍ مباشر للشركة وهو الشكل الاقتصادى الذى يراد تعميمه. التعاونية أيضا تتحدى فكرة اقتصاد الخبراء وسيطرة تنفيذيى الشركات. فالمنتجون الفقراء أنفسهم يديرون تعاونياتهم بأنفسهم ويتخذون قرارات الإنتاج لحسابهم وحساب مجتمعاتهم فلا يعود الربح هو الدافع الوحيد لهذه العملية. كما أن توسعا فى نصيب نموذج كهذا فى زراعة وتجارة وصناعة مصر يضرب احتكارات الشركات الكبرى فى قلبها، وهو ما لا يمكن أن تسمح به المصالح الكبرى التى تتحكم فى اقتصاد مصر الآن عبر الشركات الكبرى واحتكارات التجارة الداخلية والخارجية. لهذا لا يرغبون فى التعاونيات.

 

●●●

 

يقول عمر بك لطفى فى محاضرة ألقاها يوم 24 مايو سنة 1910 بنادي  المدارس العليا عن أول نقابة زراعية أنشئت فى مصر: «يعتقد بعض الناس أن تفريج الأزمة المالية لا يكون إلا بجلب رءوس المال من البلاد الأجنبية وإقراضها للأهالى حتى تدور حركة الأعمال كما كانت عليه قبل سنة 1907، وعندى أن أساس الاستقلال والحرية فى كل أمة هو الاستقلال الاقتصادى، فالواجب إذا لترقية شئوننا الاقتصادية أن يكون الماضى درسا مفيدا للمستقبل، وأن نوجه اليوم مجهوداتنا كافة لتقوية وتنمية مصادر الثروة المصرية الحقيقية، وعلى الأخص الزراعة، مع تحسين حالة المزارعين حتى تجود أراضينا السخية بالمحصولات الجيدة…، وفى اعتقادى أن هذا لا يتم إلا بإنشاء نقابات زراعية وشركات التعاون والمصارف الأهلية».

أبناء تاتشر فى الإخوان وفى الإنقاذ

وائل جمال

الشروق

22 أبريل 2013

الزومبى (الميت الحى كما نراه فى مئات أفلام الرعب الهوليودية) هو جثة متحركة أحيتها أعمال السحرة. فوفقا لمعتقدات الفودو فى غرب أفريقيا فإن الشخص الميت يمكن إبقاؤه حيا عن طريق بوكو (ساحر)، ويصبح تحت سيطرة البوكو لدرجة أنه لا تصبح له إرادة مستقلة.

Continue reading

فخ الديون الخارجية الذي ينصبونه لنا

وائل جمال

الشروق

15 أبريل 2013

“التمويل القطري سيكون دفعة قصيرة الأجل بالنظر للوضع الاقتصادي في مصر حاليا، لكن هل سيفعل شيئا لمساعدتها في الخروج مما هي فيه؟” كان هذا هو السؤال الذي وجهته وكالة بلومبرج الأمريكية المتخصصة في الشئون المالية والاقتصادية لسعيد هيرش المحلل والخبير المالي في لندن والحائز على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة بريستول فور إعلان قطر لشرائها سندات حكومية مصرية بقيمة 3 مليارات دولار وإمدادها مصر بغاز طبيعي. إجابة هيرش كانت قاطعة: “لا أعتقد ذلك. هناك غياب كامل للوضوح بخصوص ما الذي تحاول الحكومة المصرية فعله”.

  Continue reading

Economic prosperity programme for the top 1 percent sponsored by IMF

 
The ‘national plan’ that the government is promoting is an austerity plan funded and sponsored by the IMF. It aims to make the poor poorer and the top one percent richer
Wael Gamal
Ahram Online

برنامج التنعَّم الاقتصادى للـ1% برعاية الصندوق

وائل جمال

الشروق

8 أبريل 2013

تصر حكومة الرئيس مرسى التى يقودها الدكتور هشام قنديل على أن قرض صندوق النقد بلا شروط. وحتى بعد أن توقف القرض، الذى وقعت عليه نفس الحكومة أوليا فى ديسمبر، بعد أن وعدت ألا يضار فقير منه فى مصر، على أثر إلغاء أو تجميد رفع الضرائب غير المباشرة على 25 سلعة، كإجراء استباقى، وحتى بعد أن عادت المفاوضات متزامنة مع رفع أسعار بوتاجاز الفقراء، تخبرنا الحكومة أن برنامجها الاقتصادى «وطنى» تماما ولا ينبع من أى علاقة بالقرض ومفاوضاته.

Continue reading

الربيع العربي و مفاهيم التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية

فصل في كتاب  الكرامة العربية (رؤى لما بعد النيوليبرالية) الصادر عن مركز البدائل العربي 

 وائل جمال

 تقديم

في بدايات ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، لم تكن الجذور الاقتصادية الاجتماعية الطبقية للثورات الديمقراطية التي أطلقت شرارتها تونس مركز التحليل. فضل الاعلام والتيار العام الأكاديمي التركيز على متغيرات الجيل والقيم ومنطلقات توازن القوى وحتى التفسيرات التكنولوجية. ومع مرور الوقت عكست محورية عنصر الاقتصاد نفسها في الاحتجاجات وتطورها دافعة الكل إلى إعادة النظر في الطريقة التي كان يدار بها المجتمع في ساحتي الانتاج والتوزيع.

بدأت ثورة تونس احتجاجا للعاطلين، ولم يحسم التنحي في مصر سوى تدخل العمال بإضراباتهم في اليومين السابقين لانتصار الثورة، وكان من الملفت أن تتحرك الأحداث أولا في هاتين الدولتينبالذات، اللتين قادتا التحولات النيوليبرالية في المنطقة بنجاح من وجهة نظر المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها البنك والصندوق الدوليان. ولدت هذه التحولات مقاومة اجتماعية اتسعت يومابعد يوم، بالذات في مصر لكن نستطيع أن سنرى مسارات مماثلة بحسب الهوامش الديمقراطية المتاحة في دول كالأردن والبحرين وحتى تونس، مهدت لكل ماحدث، وتترك آثارها بامتدادالحركة الاجتماعية لما بعد الاطاحة بالنظم الحاكمة طويلة العمر.

والآن بدأت عملية مراجعة كبرى تظهر أول ما تظهر في السياسة التي يبدو أنها تسبق البحث والفكر النظري بخطوة. فقد كشفت برامج الأحزاب المتنافسة في انتخابات ما بعد الثورات في مصروتونس عن إعادة نظر، على الأقل في مستوى الخطاب، في منطلقات النظام السياسي والاقتصادي، تعلي من شأن العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، والتعامل مع الفقر والمناطقالمحرومة. تراجع كل من خطاب النمو الاقتصادي أولا وأسبقية القطاع الخاص ومنظومة تساقط ثمار النمو للفقراء بعد أن يرفع مده كل المراكب خطوة، هي امتداد لتحول عالمي ترك آثاره فيالنظرية والأكاديميا بشكل لم يتم في العالم العربي بعد.

تتعرض الورقة في التعامل مع هذا الموضوع لعدة محاور وأسئلة: إلى أي مدى يرتبط التحول العربي بأزمة الليبرالية الجديدة العالمية؟ وماهي مساحة الاجتماعي الاقتصادي في الاعداد له وفيتحديد مستقبله؟ كما تحاول رصد حركة المراجعة لمفاهيم النمو الاقتصادي والانتاج للتصدير في السياسة قبل عالم الدراسات والبحوث الاقتصادية، والتوجهات الأساسية لهذه المراجعات فيمرتكزات النموذج التنموي الجديد الذي يشق طريقه. وكيف يمكن أن تؤثر إعادة التشكيل المفاهيمية والبرنامجية تلك في مستقبل الربيع العربي وفي تحديد وتشكيل حركة الاحتجاج والتنظيمالاجتماعي في المستقبل.

 أية ثورة وثورة من؟

بالرغم من وضوح البعد الاقتصادي الاجتماعي في شرارة اندلاع الثورة التونسية وفي شعار الثورة المصرية الأساسي (عيش، حرية، عدالة اجتماعية(، لم يحظ هذا البعد في تفسير تطورات الربيع العربي بالأولوية التي يستحقها في الأدبيات البحثية وتعليقات المحللين. فضل الكثيرون من اللحظة الأولى التركيز على جوانب عملية اسقاط الديكتاتورية السياسية وعلى صياغة عملية التحول الديمقراطي وكتابة الدساتير الجديدة. بل وحظت الجوانب المتعلقة بالمتغيرات الجيلية (ثورة الشباب)، والمتغيرات التكنو-اجتماعية (ثورة الفيسبوك وتويتر) باهتمام أكبر كثيرا. قفز الاقتصاد إلى الصورة فقط مع ظهور المانحين الدوليين، وفي مقدمتهم صندوق النقد الدولي ومجموعة الثمانية، عارضين ”يد المساعدة ” للثورات المنتصرة، ومعها عدد من الدول الأخرى في المنطقة لم تشهد ثورات أصلا كالأردن والمغرب. تزامن هذا الظهور مع خطاب تفزيعي عميق من السلطات الانتقالية من سوء الأوضاع الاقتصادية، رأيناه بوضوح في كل من مصر وتونس.

ومما لفت الانتباه أكثر لمحورية الاقتصاد في العملية الثورية، هو أن الاحتجاجات الاجتماعية (سمتها السلطة الانتقالية فئوية) صارت فورا هي الامتداد الجماهيري الأوسع والأكثر انتشارا منالناحية الجغرافية والأعلى قاعدية لأحداث الثورة. فرأينا قفزة هائلة في عدد الاضرابات والاعتصامات بين عمال وموظفين ومهنيين مازالت إلى يومنا هذا.

ولا يمكن الفصل بين هذه الموجة من الاحتجاج الاجتماعي وبين ما سبقها من تمهيد طويل، في مصر بتصاعد متواصل للتحركات العمالية على مدى السنوات الماضية، وفي تزايد الدورالتنظيمي للاتحاد العام للشغل في تونس. ويجعل هذا للثورة السياسية التي أطاحت بالديكتاتوريات جذرا اجتماعيا تتجاهله نظريات ثورة الطبقة الوسطى الحضرية، الأنسب لتجاهل المطالب الثوريةفي إعادة توزيع الثروة ونظام اقتصادي جديد أكثر عدلا.

غير أن إلقاء الضوء على الجذور الاقتصادية الاجتماعية للربيع العربي جاء مع تطورات الخارج: الاحتجاجات الإسبانية في الميادين على طريقة التحرير، ثم ظهور حركة ”احتلوا وول ستريت” وتطورها. دفعت هذه الحركات العالمية، التي باتت تتسع يوما بعد يوم مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، للبحث عن صلات تربطها بالربيع العربي. هكذا اعتبر الصحفي بول ميسون، المحررالاقتصادى لهيئة الإذاعة البريطانية بى بى سى وصاحب واحد من أكثر الكتب مبيعا عن الأزمة الاقتصادية العالمية، مصر جزءا من حراك ثوري عالمي وليس مجرد مواجهة محلية عابرة معالديكتاتور مبارك.

يتعرض ميسون فى كتابه سريعا للبعد الاتصالى المتعلق باستخدام الانترنت فى تنظيم الناس للاحتجاج، وهو ما كان سمة أساسية فى ثورات العرب وفى حركة” احتلوا” فى أمريكا وغيرها. لكنه،وبعد أن يعطى ميزات التنظيم الالكترونى قدرها، ينتقل لما يسميه ”عطلا فى نظام التشغيل Error De Sistema، أو الأسباب الاقتصادية للتوتر الحاليi.

 الماقبل: مراجعة عالمية شاملة

“يبدو أنني كنت مخطئا”. تلخص هذه الجملة، التي قالها المحافظ السابق لمجلس الاحتياط الفدرالي الامريكي آلان جرينسبان في شهادته أمام الكونجرس الأمريكي في أكتوبر ٢٠٠٨، عطل نظام التشغيل، الذي فضحته تداعيات الأزمة العالمية. كانت صدمة جرينسبان، وصدمة زملاء له شاركوه الاعتقاد على مدى أربعين عاما بأن الأسواق تصحح نفسها تلقائيا، مقدمة لحركة مراجعة كبرى، بعد أن كشفت الأزمة أن ”هناك خللا في نظام السوق”، على حد تعبير جرينسبان في شهادته.

هذا الخلل النظامي وضع المحللين والأكاديميين في مأزق. وجه الفشل في الفهم والتنبؤ وتجنب الازمة، وحتى عدم القدرة على التعامل معها واخمادها، اكبر ضربة للمناهج الكمية الاحصائية التي سيطرت على علم الاقتصاد في العقود الأخيرة. وبدأت المقولات الرئيسية في التساقط واحدة تلو الأخرى. هكذا، ظهر فيض هائل من الكتابات تراجع مقولات ”إجماع واشنطن”، وسياسات السوق الحرة في مجملها.

كان من الطبيعي أن تتصدر بعض التيارات والأصوات، التي كانت تحذر فيما قبل الأزمة من عواقب السياسات الاقتصادية المتبعة، عملية المراجعة. هكذا علا صوت أنصار المساواتية “Egalitarianism” كأمارتيا صن، واقتصاديين مثل جوزيف ستجليتز وبول كروجمان، اللذين شرحا عيوب الاقتصاد المالي وأخطاره على مدى سنوات. كما ظهر بشدة في الصورة الكينزيون الجدد وعلى رأسهم الاقتصادي البريطاني روبرت سكيدلسكي. ناهيك عن الماركسيين والاشتراكيين التحرريين وغيرهم.

بل أن المراجعات امتدت، وتحت وطأة الأزمة، حتى للمؤسسات المالية الدولية. فقد غير صندوق النقد والبنك الدوليان من خطابهما لكي يتحدثا عن النمو التضميني أو الشامل Inclusive Growth وقدم الصندوق مراجعة مباشرة لتصوره عن تحرير حركة رؤوس الأموال الذي كان أحد مقدسات وصفته الإصلاحية، وظهرت في بياناته، كالخاصة بالبرنامج الاقتصادي المصري مثلا، مصطلحات غير مألوفة عليه مثل ”الإنفاق الاجتماعي”، و”النمو المتوازن اجتماعيا”. وعلى الجانب الآخر، ارتفع صوت برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد في نقد نموذج النمو للتصدير وفي الحديث عن نموذج جديد يقوم تقوده الأجور والطلب المحلي، فيما عرف بنموذج ”النمو الذي تقوده الأجور”، الذي تدعمه أيضا منظمة العمل الدولية.

وتبين هذه التطورات مدى المراجعة وعمقها. فقسوة الأزمة واتصالها من ٢٠٠٨ وإلى الآن فرض أن تطال تقريبا المفاهيم الرئيسية التي قام عليها الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية-السياسية، بل وإدارة الدولة ذاتها. هكذا صارت نظرية كفاءة الأسواق تحت المجهر، عادت الدولة لمقدمة المشهد كفاعل اقتصادي، بدأ الحديث عن نوع النمو وطبيعة النمو وعلاقة المساواة بأفق النمو، بل وسعادة الناسii. بل شكلت حكومتان (الولايات المتحدة وفرنساiiiلجانا تنظر في مؤشر آخر غير نمو الناتج المحلي الإجمالي يمكن من فهم الحالة الاقتصادية على حقيقتها). كما ظهرت أدبيات ترصد وتحلل وتنظر للتنظيمات الاقتصادية الشعبية والديمقراطية التي صارت تتوسع في أمريكا اللاتينية وغيرها وعلى رأسها الصور الجديدة للتعاونيات. iv

“الأزمات يمكنها أن تشجع على درجة أكبر من الانفتاح الذهني”، هكذا تخبرنا مقدمة كتاب محرر عنوانه ”اليوم التالي: نظام عالمي جديد؟”، والذي شارك في كتابته عدد من الاقتصاديين المنتمين للعالم الثالث. ويستنتج محررا الكتاب بوضوح أنه ”ربما تكون أهم الاختيارات التي يجب اتخاذ قرار بشأنها في هذه الأزمة هو ما يتعلق بمستقبل التنمية، ليس فقط في الدول المركز التي أنتجت الأزمة ولكن أيضا في بقية العالم”.v

الربيع العربي - امتداد لا انقطاع

في تقريره في أغسطس ٢٠١٢، الذي يدشن لنظرة جديدة لأهداف الألفية مابعد ٢٠١٥، يقول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن ”الأزمة الاقتصادية الأخيرة، المقرونة بالانتفاضات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جعلت أزمة فرص العمل العالمية في صدارة الساحة الدولية”vi. وهذا مثال واحد من ردود الفعل العديدة التي تكشف التداخل بين ما جلب المراجعة العالمية وما خلق الأساس لثورات العرب من ناحية، وبين النتائج والاستنتاجات المترتبة على الاثنين فيما يتعلق بمفاهيم التنمية. وهكذا، وكما أثبت الربيع العربي مرة أخرى ضرورات المراجعة، أوصلها، وإن متأخرة، إلى بلدانه، وبدأت تتكشف أولويتها التي تدارت في الأيام الأولى بمرور الوقت، ليس فقط للمختصين وإنما لعموم الناس.

“من الضروري التفكير في مقاربة وتعريف لنموذج اقتصادي بديل تأخذ من خلاله التنمية معناها عبر السياق الذي سيتجه التونسيون إلى خوضه…..إنه تمش آخر يمكن أن يستند على إعادة تحديد أولية لمشروع مجتمع متكاتف يفرض أخذ المبادرة من قبل كل التونسيين حيث يدركون الحاجة إلى ضرورة التفاهم وأخذ الثقة في أنفسهم وأهمية الاعتراف بالفكر والنقاش والنقد البناء وضرورة مساءلة العلاقة المؤسسة بين الحاكم والمحكوم ولكن أيضا العلاقات الاجتماعية والمابين فردية”vii هذه الضرورة التي بشرت بها الكلمات السابقة لهالة اليوسفي بعيد الثورة التونسية ساهمت في أن تلحق الدول العربية بهذه المراجعة العالمية الكبرى، وإن اتخذت هذه المراجعة مساراتها الخاصة بناء على مفارقة كبرى للوضع العربي.

مفارقة الأكاديميا والسياسي والسياسة

السياسي يسبق في المراجعة العربية لمفاهيم التنمية. هذه هي السمة الأساسية لهذه العملية في العالم العربي ما بعد ربيعه وهو ما يختلف عن أوروبا والولايات المتحدة، حيث ضربت الأزمة الاقتصادية أولا وبعنف، فاضطرت الأكاديميا، حتى التي تخدم السياسة الاقتصادية للتحرك السريع، ومعها توجهات الحكام الذين فرضت عليهم ضرورات حماية النظام من انهيار كامل التخلي عن مقولات سابقة بأسرع وقت ممكن (تأميم البنوك والشركات الكبرى مثلا عوضا عن تركها للسقوط كما حدث في الولايات المتحدة بعد أن صار واضحا أنها “أكبر من أن يسمح لها بالفشل”Too Big to Fail.

وبمقارنة الأكاديميا العربية بمثيلتها في العالم من حيث كم وتنوع وشمولية إنتاجها فيما يتعلق بإعادة النظر الهائلة تلك في المفاهيم، يتبدى بما لا يدع مجالا للشك أنه ليس على المستوى المرجو. بل إنه فيما عدا استثناءات قليلة، مازال المنتج البحثي الاقتصادي العربي يدور في فلك العديد من نفس المقولات القديمة التي تقدس النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي المباشر والتصدير للسوق العالمي في إعادة إنتاج لأسس النظام الاقتصادي لمبارك وبن علي.

المستوى الثاني للمفارقة هو مستوى السياسة الاقتصادية التي اتبعت فيما بعد الربيع العربي. وفيما عدا الاستخدام المتكرر للرطان عن العدالة الاجتماعية والفقراء، تستمر هذه السياسات في معظمها منهجيا على خطى ما سبق من إعلاء لعجوزات الموازنة وإبقاء على السياسات المالية والنقدية المنحازة للأغنياء. بل إنه لم تتم إعادة النظر في التشريعات المنظمة للأسواق والتي سمحت على مدى سنوات ما قبل الربيع العربي بمراكمة رأسمالية هائلة ونزح للثروات للأقلية من الأفراد والشركات من المحاسيب، ولم يتم رصد ولو مواجهة واحدة مع هؤلاء على الأرض (حالة السياسي القيادي في حزب مبارك الحاكم ورجل الأعمال أحمد عز في مصركاشفة. إذ أنه من القلة التي اتهمت بفساد وأودعت السجن، لكن شركته مازالت تسيطر على سوق الحديد المصري وتحقق أرباحا خيالية في السنتين اللتين أعقبتا الإطاحة بمبارك وحزبه).

أما السياسة بالمعنى العام فربما هي الأكثر تقدما في هذا الإطار. فوجدنا تغيرا هائلا في منطلقات البرامج الاقتصادية للمرشحين على مقعد الرئاسة في مصر على سبيل المثال. وتحت مظلات عامة كالتنمية الإنسانية في برنامج المرشح عبدالمنعم أبوالفتوح، والتنمية الشاملة لدى حمدين صباحي، ورؤية كينزية في برنامج عمرو موسى، والتنمية حرية عند خالد علي، قدم كل هؤلاء، على تباين خلفياتهم الأيديولوجية والسياسية، مراجعات لعدد من القضايا الكبرى للتنمية والتوجه الاقتصادية والنظر للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وربما كان توجه البوصلة للقوى الاجتماعية التي تتحرك على الأرض مطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية دافعا لهذا التوجه غير أن المفارقة وصلت لحدها الأقصى بفوز المرشح الرئاسي الذي قدم أقل المراجعات عمقا ودلالة في برنامجه للرئاسة بسبب ما آلت إليه نتائج الجولة الأولى والتي أطاحت بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية من مقدمة الصورة بعد أن جعلت فوز مرشح محسوب على نظام مبارك احتمالا واردا.

* الكتاب صدر باللغتين العربية والإنجليزية في مارس 2013 وهو محصلة نهائية للمؤتمر الذى تم تنظيمه بين المؤسستين في القاهرة 28 ــــ 29 أغسطس 2012. وهو تجميع لما قام به سبعة باحثين  (محمد العجاتي – وائل جمال -عمرو الشوبكي – كاوه حسن – مضر قسيس – فواز طرابلسي – صلاح الدين الجورشي – نادين نابر- رستم محمود) حول الرؤى والمفاهيم، والنظريات، والسياسات التى يمكن أن تساهم في تشكيل رؤيتنا وتفكيرنا فى التغيرات الاجتماعية فى شمال أفريقيا والشرق الأوسط قبل اندلاع الثورات. 

حمل الكتاب من الرابط أدناه

كتاب: ثورات الكرامة العربية (رؤى لما بعد النيوليبرالية)